برنامج تبيان - سورة الطارق - 1

سورة الطارق -1

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:فضيلة الشيخ بين يدينا بمشيئة الله تعالى في هذه الحلقة الجديدة تفسيراً لسورة الطارق وقبل أن نشرع في تفسيرها نريد منكم وقفات نستفتح فيها هذه الحلقة.

د. محمد السريع:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

سورة الطارق هي إحدى سور جزء عمّ تسمى سورة الطارق وتسمى سورة ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ وعدد آي هذه السورة سبع عشرة آية وموضوعها الرئيس هو إثبات البعث وصدق القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقد مر معنا في أكثر من مناسبة أن مقاصد السور المكية هي تدور حول هذه القضايا التي هي معاقد الملّة وأصول الإيمان إثبات وحدانية الله جل وعلا، إثبات المعاد، صدق النبي صلى الله عليه وسلم، صدق ما جاء به من القرآن وهي قضايا بعضها متصل ببعض وبعضها آخذ برقاب بعض، فمن آمن بالله جل وعلا آمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وصدّق بالبعث، ومن كان مُصدّقاً بالبعث فإنه قَطْعاً مؤمن بالله جل وعلا ومُصدِّقٌ للرسول صلى الله عليه وسلم.

إذاً موضوع هذه السورة هو إثبات المعاد وإثبات صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم. وهذه السورة أرشد النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً للصلاة بها في صلاة المغرب كما روى النسائي عن جابر رضي الله عنه قال: صلّى معاذ المغرب، فقرأ البقرة والنساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أفتّان يا معاذ؟! ما كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو هذا ".

يقول الله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴿١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴿٢﴾ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴿٣﴾﴾

هذا قَسَم من الله جل وعلا بالسماء وقَسَم بالطارق، والسماء هي هذا المخلوق العظيم الذي نشاهده وكل ما على الإنسان فهو سماء كما وردت بذلك لغة العرب، وأما الطّارق فقد بينه الله جل وعلا بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴿٢﴾﴾ وهذا الاستفهام يُراد منه التعظيم والتهويل، ويُراد منه أيضاً التشويق، ثم جاء الجواب ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴿٣﴾﴾. الطارق في لغة العرب مأخوذ من الطُّرُوق وهو المجيء ليلاً ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يَطرق الرجل أهله ليلاً، يعني إذا قدم من سفر أن يأتيهم ليلاً دون أن يُنبههم. وأيضاً جاء في الحديث في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن"، فالطارق هو الذي يطرق ليلاً والنجم إنما يطرق ليلاً ويظهر ليلاً ولذلك سمي بالطارق. بَيّنه ربنا جل وعلا وهذا من تفسير القرآن بالقرآن بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴿٢﴾ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴿٣﴾﴾. والثاقب هنا:

قال بعض المفسرين: هو المُضيء لأنه يَشّق الظلام،

وقال بعض المفسرين: المراد بالثاقب الذي يثقب الشياطين إذا أُرسل عليها، وهذا كما جاء في قوله جل وعلا: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ في الحديث عن الجن الذين يسترقون السمع. ولا مانع من إرادة المعنيين كما جاء عن عكرمة رحمه الله قال: هو مُضيء ومُحْرِق للشياطين. وقد بيّن الله جل وعلا في كتابه فائدة خلق النجوم فَبيّن أنها زينة للسماء، وبَيّن أنها رجوم للشياطين وأنها علامات يهتدي بها الناس فهذه هي الثلاث فوائد التي يستفيدها الناس من النجوم، ما عدا ذلك فيما يتعلق بالتنجيم وإلا محاولة معرفة الحوادث الأرضية بحركة النجوم ونحو ذلك فإنه لا يجوز، وقد بيّن الله جل وعلا هذه الفوائد في قوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَعَلَامَاتٍۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

إذاً هذا القسم ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴿١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴿٢﴾ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴿٣﴾﴾ لنا مع القسم هنا عدة وقفات:

الفائدة الأولى: أن لله جلا وعلا أن يُقسم بما شاء من مخلوقاته، وأما الخلق فلا يجوز لهم أن يقسموا إلا بالله جل وعلا، وقد جاء هذا في قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يحلف الرجل بالأمانة أو يحلف بأبيه أو نحو ذلك وقال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك".

الأمر الثاني: فائدة القسم في القرآن: القسم له فوائد كثيرة في كتاب الله جل وعلا ولكن مؤداها يعود إلى أمرين رئيسين وأما المواضع فإن لكل قسم في موضعه فائدة أو فوائد لكن الفوائد الرئيسة أهمها فائدتان:

الفائدة الأولى: إثبات المُقْسم عليه، إثبات جواب القسم.

الفائدة الثانية: الإشارة والإشادة والتنبيه بالمُقْسَم به. ولذلك إذا أقسم الله جل وعلا بشيء فإنما يدل على عظمة هذا الشيء.

قد أقسم الله جل وعلا بالسماء وأقسم بالطارق لأن كل واحد منهما دليل على وحدانيته جل وعلا فهو خالق السماء وخالق الطارق بإجماع الناس هذا لا يخالف فيه حتى المشركون فإنهم يُقرِّون بتوحيد الربوبية فربنا جل وعلا يلفت أنظار الناس إلى أن هذا الخالق سبحانه ما أعظمه هو الذي ينبغي أن تصرف له العبادة دون من سواه.

الوقفة الثالثة: لماذا أقسم ربنا جل وعلا بالسماء والطارق؟

قلنا أنه أقسم بالسماء والطارق لأن مظاهر ربوبيته جل وعلا في خلق السماء وخلق النجوم وخلق الكواكب وخلق الأرض وإنزال الماء ونحو ذلك هي دلائل ينبغي أن تقود الإنسان إلى وجوب إفراد الله جل وعلا بالعبادة دون من سواه. ولذلك قال ربنا جل وعلا في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فاستدل بتوحيد الربوبية على إثبات توحيد الألوهية.

قال تبارك وتعالى: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿٤﴾ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴿٥﴾ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ ﴿٦﴾ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴿٧﴾ إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴿٨﴾﴾.

هذا جواب القسم في قوله جل وعلا: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿٤﴾﴾ وهذا التركيب هو مُكّون من (إِنْ النافية) و(لَمّا) التي تأتي بمعنى (إلا)؛ فما كل نفس إلا عليها حافظ، ومعنى الحفظ هنا أن الله جل وعلا وَكّل بالعباد ملائكة يَحفظون أعمالهم ويُحصون ما يُقدمونه من أعمال الخير أو أعمال الشر كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿١٠﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿١١﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وفي هذا إثبات للبعث لأنه إذا كانت هذه الأعمال تُحصى فإنما تُحصى ليُجازى عليها الناس حين يُبعثون يوم القيامة عند ربهم الله جل وعلا ويُجمعون أولهم وآخرهم.

فإذاً هذا الأمر مُسْتلزِم لإثبات المعاد والجزاء والحساب فلو أُهمل الجزاء لكن إهماله منافياً لحكمة الله جل وعلا مبدع هذا الكون كما قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ تعالى الله عن ذلك جل وعلا.

أيضاً هناك قول آخر لبعض المفسرين ولم يذكر ابن كثير غيره أن المراد بالحفظ هنا هو أن الله جل وعلا وكّل بالإنسان ملائكة يحفظونه من العوارض ومن الأشياء التي لم يُقدّرها الله جل وعلا عليه كما قال سبحانه: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ﴾ أي بأمر الله، فالحفظ يشمل هذا ويشمل هذا وإن كان الأول هو المُتَبادر إلى أنه لا مانع من إرادة القولين والله جل وعلا أعلم. هذا فيما يتعلق بمعنى قوله جل وعلا: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿٤﴾﴾.

ثم قال سبحانه: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴿٥﴾ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ ﴿٦﴾ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴿٧﴾﴾ هذه الفاء (فلينظر) هي لتفريع الأمر بالنظر في الخِلقة الأولى حين خلق الله تعالى الإنسان أول مرة فإذا كان ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿٤﴾﴾ فيها إشارة ومن لوازم معانيها إثبات البعث الذي أنكره هؤلاء المشركون فالتقدير: أنكم إن رأيتم البعث مُحالاً ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴿٥﴾﴾ ليَعلم أن الخلق الثاني ليس بأبعد من الخلق الأول، فلينظر هذا الإنسان - واللام هي لام الأمر- لينظر هذا الإنسان مما خلقه الله جل وعلا. وهذا النظر المراد به نظر التّدبر، نظر التّأمل، نظر الفكر والعقل الذي يؤدي إلى الوصول للنتائج الصحيحة.

ثم جاء الجواب في قوله جل وعلا: ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ ﴿٦﴾﴾ والمراد بالماء الدافق هو ماء الرجل ماء المنيّ الذي يندفق بشدة وسرعة.

ثم قال سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴿٧﴾﴾ من بين صلب الرجل وهو عظامه التي في ظهره والترائب ترائب المرأة التي تكون أسفل الصدر مما يلي الترقوة. فإذاً بَيّن الله جل وعلا أن هذا الإنسان قد خُلِقَ من ماء دافق فلِمَ يتكبّر؟ ولِمَ يُعرض؟ ولِمَ يُنكر البعث بعد ذلك؟

قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴿٨﴾﴾ هو جل وعلا على إعادة هذا الإنسان مرة أخرى الذي خلقه من ماء دافق هو قادر على إعادته ورَجْعِه مرة أخرى للبعث بعد الموت ويكون هذا من باب الاستدلال بالمبدأ على المعاد، وهذا كثير في القرآن وهو أحد الأدلة العقلية التي ساقها القرآن لإثبات المعاد، ولذلك قال الله جل وعلا في آية أخرى:﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ وقال سبحانه في سورة يس عن الرجل الذي أتى بعظم ثم فَتّه العاص بن وائل السهمي مُنْكراً للبعث بَيّن الله جل وعلا وقال: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فإذاً الاستدلال بالمبدأ على المعاد هو أحد أدلة القرآن وبراهينه على إثبات البعث بعد الموت ولا شك أن المبدأ أصعب من المعاد في مقاييس البشر.

وهذا القول هو الذي يؤيده المُقْسَم عليه في بداية السورة إثبات البعث ويؤيده أيضاً ما جاء في الآية بعدها قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴿٨﴾ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴿٩﴾﴾ والمراد به يوم القيامة، وهذا القول هو الذي اقتصر عليه ابن جرير عليه رحمة الله في تفسيره (جامع البيان).

وهناك قول آخر لبعض المفسرين وهو أن المعنى أنه جل وعلا على رَجْع هذا الماء الدافق إلى مَقرّه الذي خرج منه لقادر جل وعلا.

ثم قال سبحانه: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴿٩﴾﴾ يعني يوم تُمْتَحن السرائر والمقصود بها النوايا وأعمال القلوب، في الدنيا المعاملة على الظاهر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعامل الناس، ولكنها يوم القيامة معاملة على الظاهر والباطن؛ بل الباطن هو الأصل وهذا مما يُبين أهمية أعمال القلوب وأنه ينبغي للإنسان أن تكون عنايته بأعمال القلوب من الصدق واليقين والتوكل والإخلاص أعظم من عنايته بأعمال الجوارح.

﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴿٩﴾ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴿١٠﴾﴾ليست له قوة في نفسه، وليس له ناصر ينصره من الخارج.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير- د. عيسى بن ناصر الدريبي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، ورئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في الحلقة السابقة تحدثنا عن التفسير الموضوعي تعريفه ونشأته، ونريد منكم أن تحدثونا عن أهم مجالات هذا التفسير إذا كرمتم.

د. الدريبي:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد.

تحدثنا في اللقاء السابق عن تمهيد لهذا الاتجاه من اتجاهات التفسير وهو التفسير الموضوعي ولعلنا في هذه الحلقة نُوجِز الحديث عن هذا الموضوع بما يُبين قدر الإمكان أهم معالمه.

ذكرنا في نهاية الحلقة السابقة أن للقرآن الكريم مقاصد كثيرة جداً ربما الإمام ابن عاشور في كتابه (التحرير والتنوير) ذكر أن أهمها ثمانية مقاصد تحدثنا عنها سابقاً جزء من بيان هذه المقاصد بعض اتجاهات التفسير لا تستطيع أن تُبينه بياناً شافياً مثل التفسير الموضوعي.

والتفسير الموضوعي كغيره من ألوان التفسير الأخرى يَهدف للكشف عن مراد الله لكن التفسير الموضوعي بما فيه من مواصفات وخطوات يُمكن أن يُحقّق بعض تلك المقاصد بشكل أكثر من اتجاهات التفسير الأخرى يُسْهم في بيانها وفي لفت النظر إليها، ولهذا يُعد هذا الاتجاه نقلة نوعية جديدة في اتجاهات التفسير وهو التفسير الموضوعي، وربما الحاجة إليه في هذا العصر واضحة من حيث أن هنالك برزت إشكالات كثيرة جداً في الواقع وفي المجتمع وفي الميدان تحتاج إلى أن نتأمل ما هو علاج القرآن لمثل هذه المشاكل، كيف عالجها القرآن الكريم، كيف أشار القرآن إلى أسس النظام الاجتماعي في الإسلام، كيف أشار القرآن إلى أسس أحكام بناء الأسرة في القرآن، كيف حافظ القرآن على الأخلاق في المجتمعات من خلال دراستنا لآيات الأخلاق وأسس بناء الأخلاق والمحافظة عليها في القرآن وهكذا من مثل هذه الموضوعات التفسير الموضوعي حقيقة يُبَينها بشكل كبير جداً ويُبيّنها بياناً شافياً بحيث نستطيع أن نُقدم اليوم للعالم وجهة نظر إسلامية من خلال دراسة القرآن لهذه الإشكالات أو لهذه الموضوعات. وهذا الحقيقة من أهم ما يميز هذا الاتجاه من اتجاهات التفسير وهو أن هناك حاجات تبرز في الميدان تحتاج إلى علاج وتحتاج إلى بيان نظرة الإسلام فيها، والعلماء يتحدثون بشكل مُوَسّع عن أهمية هذا اللون فهو من أهم ألوان التفسير في هذا العصر، والحديث عن هذا يطول لكن لعل في هذه الإشارة ما يغني.

ننتقل للحديث عن ألوان هذا التفسير ومجالاته الدكتور مصطفى مسلم ذكر في كتابه ( مباحث في إعجاز القرآن ) وكثير ممن كتب في التفسير الموضوعي مشى على هذه الثلاث مجالات وبعضهم يزيد أو ينقص؛ ذكر أن هنالك ثلاث مجالات للبحث في التفسير الموضوعي وهو الموضوع والصورة والمصطلح؛ وزادها بعض الباحثين في كتاباتهم من أمثال الدكتور زيد العيص فأوصلها إلى ستة الموضوع القرآني والصورة والموضوع وأضاف إليها المفردة القرآنية وأضاف إليها الأدوات وأضاف إليها المقالة التفسيرية لكن حقيقة عند التأمل في هذه المجالات ربما نرى أن أهمها وأبرزها وهي ثلاث ألوان من ألوان التفسير الموضوعي:

اللون الأول: هو أن يتتبع الباحث أو الكاتب لفظة من كلمات القرآن ثم يجمع الآيات التي تَرد فيها هذه اللفظة ومشتقاتها من مادتها اللغوية وبعدها يجمع هذه الآيات ويُحيط بتفسيرها فيحتاج إلى التفسير التحليلي يحتاج إلى التفسير المقارن يحتاج إلى التفسير الإجمالي بعد أن يجمع هذه الآيات ويعرف تفسيرها يحاول أن يستنبط دلالة هذه الكلمة من خلال استعمال القرآن الكريم لها.

بعد ذلك نشأت عندنا مصطلحات قرآنية، ما يسمى الحديث في مصطلحات القرآن مثل لفظ (الأُمّة) في القرآن جمعت أُمّة في القرآن الكريم ثم نُظِرَ ما معنى هذه الكلمة في كل مكان في القرآن الكريم ثم دُرِسَت، لفظ (الصلاة) مثلاً في القرآن الكريم أي لفظ من الألفاظ ورد في القرآن الكريم يُدرس في الآيات التي ورد فيها وتُنظر مصطلحاتها وهنا نشأ ما يسمى بمصطلحات القرآن وأبرز من كتب فيه اليوم بشكل منهجي جيد:

معهد الدراسات المصطلحية في فاس عندهم إصدارات متميزة في مصطلحات القرآن من هذه الوجهة.

اللون الثاني من اتجاهات التفسير: أن يُحَدد موضوع ما من الموضوعات يرى القارئ للقرآن الكريم وهو الباحث أن القرآن الكريم قد تَعرّض له كثيراً وبعدة أساليب في العرض وفي المناقشة وفي التحليل، درس القرآن الكريم هذه القضية أو هذا الموضوع أو تكون عند الباحث حاجة مثلاً يريد أن يكتب وجهة نظر الإسلام أو يبين وجهة نظر الإسلام  للمحافظة على العِفّة مثلاً عند الإنسانية كمبدأ من مبادئ الإنسانية عندها يبدأ يجمع الآيات التي تتحدث عن هذا الموضوع ويستطيع من خلال دراسة القرآن الكريم أن يخرج بدراسة جيدة تُقدم حلاً لهذا الموضوع أو تُقدم وجهة نظر متميزة من خلال القرآن الكريم، وطريقة الكتابة في هذا اللون يستخرج الآيات التي تناولت هذا الموضوع ثم بعد أن يجمعها ويحيط بتفسيرها أيضاً ويتأمل فيها يحاول الباحث أن يستنبط من خلال هذه الآيات التي جمعها من القرآن الكريم أن يستنبط عناصر الموضوع من خلال ما بين يديه من الآيات التي جمعها ثم يُنسِّق هذه العناصر ويُقسمها إلى أبواب وفصول حسب حاجة الموضوع مثلاً أسباب حفاظ القرآن الكريم على الأخلاق أو مآثر الأخلاق وهكذا، من خلال الآيات تبرز له هذه العناوين.

وحقيقة هذا الموضوع هو أغلب ما تنصب عليه دراسات الباحثين في التفسير الموضوعي، هذا إذا أُطْلِق التفسير الموضوعي فإنه غالباً ينصرف إلى هذا اللون من ألوان التفسير أولاً لكثرة هذه الموضوعات التي تطرق لها القرآن وتحدث عنها.

ثانياً : لأن الموضوعات والإشكالات المعاصرة تتجدد ويحتاج الإنسان أن يتأمل في القرآن ويخرج منها بدراسة أو بحلّ لهذه الإشكالية.

اللون الثالث: وهو البحث في الموضوع من خلال سورة من القرآن وهذا يستدعي أن يُلّم الباحث بما يُسمى بمحور السورة أو الهدف الأساسي للسورة وهذا يحتاج إلى أن يكون لدى الباحث دقة موضوعية في تَتبّع ما يسمى بالوحدة الموضوعية للسورة، الناظر في سور القرآن الكريم؛ نعم نحن ندرك أن آيات القرآن نزلت في عدة مواضع أو في عدة أوقات وأزمان لكن العلماء الذين درسوا ما يسمى بالوحدة الموضوعية للسورة حينما يتأملون في سور القرآن الكريم مرة بعد أخرى يجدون أن كثيرًا من هذه السور لها محور رئيسي والبقية محاور أو موضوعات تصب أو تعالج هذا الموضوع وهذا ليس بإطلاقه لكن كثير من سور القرآن الكريم لها محور رئيسي وهنالك محاور تدعم هذا المحور. فهذا اللون طريقة البحث فيه أن يحدد الباحث فيه الأهداف الأساسية للسورة ثم يختار أحدها مثلاً:

في سورة القلم ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ فيها عدة مواضيع لكن مثلاً محور الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم محور بارز في مثل هذه السورة.

نأتي مثلاً إلى سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ سورة النبأ محور بارز الحديث عن الآخرة وما فيها.

فيختار هذا الهدف أو هذا المحور ثم يُحاول إبراز عناصر بحث هذه السورة للموضوع وتقسيمها وتبويبها، ثم يدرس علاقة كل هذه المقاطع بهذا الهدف بدءاً بمقدمة السورة وانتهاءً بخاتمتها وهذا يحتاج منه أن يتعرف على أسباب النزول، ومكان النزول، وترتيب هذه السورة بين سور القرآن الكريم، وبين علاقة كل ذلك بهدف السورة موضوع البحث بدون تكلف هناك أشياء واضحة وهناك أشياء تحتاج إلى تأمل وتعمق ونظر ومزيد نظر في هذه السورة وما هو محورها الرئيسي.

هذه ربما إشارات سريعة في أهم ألوان التفسير الموضوعي وهي الألوان الثلاثة الرئيسية وهنالك مثل ما ذكر الدكتور زيد نكلون آخر وهو المقال التفسيري وهذا قد يكتب الإنسان في موضوع ما فيه آيات كثيرة لكن يكتب فيها صفحة صفحتين من وجهة نظر القرآن الكريم فسماها مقالة تفسيرية، أو أدوات القرآن الكريم يأتي مثلاً إلى حرف (في) ويدرسه في القرآن الكريم ودلالاته، لكن الثلاثة الألوان السابقة هي أقوى وأبرز مجالات التفسير الموضوعي.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل