برنامج تبيان - سورة البروج - 3

سورة البروج-3

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:في الحلقات الماضية تناولتم تفسير سورة البروج، ووقفنا عند الآية الحادية عشرة عند قوله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴿١١﴾ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾﴾.

د. محمد السريع:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

بعد أن ذكر الله جل وعلا حال الكفار الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وتوعدهم بقوله: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ ذكر حال المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴿١١﴾ وهذا من عادة القرآن أنه إذا ذكر الشيء ذكر ضده فإذا ذكر الأبرار ذكر الفجار، وإذا ذكر الجنة ذكر النار، وإذا ذكر الدنيا ذكر الآخرة وهو أحد الأوجه في معنى قوله جل وعلا في وصف القرآن أنه: ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ وفي هذه الآية أن هؤلاء المؤمنين وبالأخص الذين تعرضوا للفتنة والعذاب والنكال هؤلاء هذا جزاؤهم ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ وفيه أن هذه الدنيا ليست هي نهاية المطاف فإن ما ينال الإنسان فيها من الضعف أو القلة أو الذلة أو المرض أو الإيذاء والابتلاء والفتنة في دينه أو بدنه أو ماله أو ولده ليس هذا نهاية المطاف وإنما الدار الآخرة هي الحيوان وهي الحياة الحقيقية وما الدنيا بالنسبة للآخرة إلا سحابة صيف وأما الدار الآخرة فإنها هي النعيم المقيم أو العذاب المقيم نعوذ بالله من حال الكفار!.

ولذلك ذكر الله جل وعلا هذا المآل للمؤمنين وكما قلنا أول ما يدخل فيه هؤلاء المؤمنين الذين تعرضوا للابتلاء والفتنة فصبروا في ذات الله جل وعلا.

ثم بعد ذلك أيضاً مما ينبغي أن يُعْلَم كما جاء في حديث هرقل حين سأل أبا سفيان عن حال النبي صلى الله عليه وسلم هل غلبتموه أو يغلبكم؟ فقال: يُدال لنا عليه و يُدال له علينا، فقال: كذلك الرسل ولكن تكون لهم الغلبة في الخاتمة. وكذلك المؤمنون كلما صدق المؤمنون في دين الله جل وعلا وتعلقوا بالله فإن الله تعالى ناصرهم ﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ نعم قد يقع شيء من الابتلاء، قد يقع شيء من المحنة والفتنة كما فعل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن العاقبة تكون لهم كذلك الرسل تُبتلى ثم تكون العاقبة لهم. وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله أيبتلى الرجل أم يُمَكّن؟ قال: "لا يُمَكّن حتى يبتلى"، ومع ذلك فإنه حتى ولو حصل لهم ما حصل ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ ﴾ وفي القراءة الأخرى { قُتِلَ معه ربيون} ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ حتى ولو كان حصل عليهم شيء من الابتلاء والمحنة إلا أن العاقبة التامة في الآخرة هي لهم وما هذه الدنيا إلا مَمر ومعبر والدار الآخرة هي الحيوان كما قال ربنا جل وعلا. ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ هذا الجزاء الذي ينالهم في الآخرة هو الفوز الكبير، نعم قد يفوز الإنسان في الدنيا، قد يحظى بمال أو جاه أو قناطير مقنطرة أو خيل مسومة أو أنعام أو حرث أو نحو ذلك ولكنه فوز عابر لا يُؤبه له، الفوز الكبير والفوز العظيم هو أن يقال ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ لأن هذا بعده لا ينصب الإنسان، لا يمرض، لا يخرج منها، لا يموت وهذه هي التي تعترض الإنسان في هذه الدنيا ولذلك ربنا جل وعلا وهو يُخبرنا عن نعيم الآخرة يُخبرنا أنه نعيم عظيم وأنه مقيم وأنه لا يُخرج منه الإنسان غير ممنون ولا مقطوع.

ثم قال جل وعلا في خاتمة هذه السورة هذا الختام البديع العظيم مرة أخرى: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾﴾ أي أن انتقامه جل وعلا من أعدائه الذين آذوا رسله وعادوا أولياءه أنه بطش شديد وانتقام عظيم لأن الله جل وعلا هو ذو القوة المتين الغالب الذي لا يُغالَب ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.

﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾﴾ جل وعلا وهذا من قدرته سبحانه أنه يبدأ الخلق ثم يعيده كما قال سبحانه: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾.

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾﴾ الذي يغفر الذنوب، الغفور الأصل مشتق من الغفر وهو الستر ومنه قيل للمِغْفر مِغْفر لأنه يستر رأس المقاتل وكذلك من أسمائه الحسنى جل وعلا الغفور ومن صفاته المغفرة فهو يغفر الذنب أي يستره ويزيله جل وعلا. 

﴿ الْوَدُودُ ﴾ سبحانه وتعالى الذي تحبّب لأوليائه كثير المودة والمحبة لهم فهو يُحبهم ويُحبونه جل وعزّ وله المنة والفضل بذلك.

ثم قال سبحانه: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾﴾ والعرش هو سرير المُلك وربنا جل وعلا كما جاء في آيات القرآن مستو على العرش، والعرش هو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو سقف المخلوقات كما ثبت في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء وصف العرش بعدة صفات في القرآن الكريم فجاء وصفه بأنه مجيد كما في هذه القراءة قراءة حمزة والكسائي حيث قرأوا: {ذو العرش المجيدِ} فكان المجيد وصفاً للعرش كما في قوله جل وعلا في صفة العرش: ﴿ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ ﴿ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ فهي من صفات العرش، ومعنى كون العرش مجيدا أي أنه لجلالته وعظم قدره وخلقه وصِف بهذا الوصف.

ومن اللطائف والفوائد أنه إذا كان هذا شأن العرش فما ظنك بخالقه جل وعلا والمستوي عليه سبحانه وبحمده؟!.

هذا في القراءة الأخرى قراءة حمزة والكسائي، وأما القراءة التي نقرأ بها فهي على الرفع ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ فيكون وصفًا له جل وعلا.

ومن صفات الله تعالى المجد ومن أسمائه أنه المجيد ومعنى المجد عظم الذات والأفعال والصفات الذي بلغ المنتهى جل وعلا في الفضل والكرم.

وهذه بالمناسبة اختلاف القراءات في هذا الموضع فائدة من فوائد اختلاف القراءات وهي تعدد المعاني وكثرتها. في هذه الآية الواحدة قراءتان كل قراءة تفيد معنى آخر، فكأن كل قراءة آية مستقلة، في القراءة التي نقرأ بها قراءة الجمهور وصف المجيد صفة لله جل وعلا، وفي قراءة حمزة والكسائي صفة للعرش وهذه القراءة حق، وهذه القراءة حق.

ثم قال سبحانه: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾﴾ سبحانه وبحمده لا يُكرثه شيء مهما أراد سبحانه وتعالى شيئاً فإنه يفعله لا مُعقّب لحكمه ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ وقد جاء عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قيل له في مرض الموت هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم . قالوا: فما قال لك؟ قال: قال لي إني فعّال لما أريد. هم يقصدون طبيب البشر، وهو يريد الله جل وعلا.

ثم قال سبحانه وبحمده: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴿١٧﴾ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾﴾ عاد السياق مرة أخرى لمثل ما بُدئت به السورة في الحديث عن المكذبين الذين عادوا رسل الله وأولياءه قال الله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴿١٧﴾﴾ ثم فصلهم: ﴿ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾﴾.

﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴿١٩﴾﴾ شأن هؤلاء الكفار وحالهم أنهم في تكذيب، لاحظ هذا التعبير البديع كيف قال الله تعالى: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴿١٩﴾﴾ ما قال مكذبون وإلا كذبوا وإلا يُكذبون ﴿ فِي تَكْذِيبٍ﴾ كأنهم شأنهم وحالهم أنهم في وسط الكذب والتكذيب فما هم إلا في هذه الحمأة في وسط هذا المستنقع الآسن الذي هو التكذيب.

قال الله: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴿١٩﴾﴾ ثم قال مهدداً لهم ومتوعداً ﴿ وَاللَّـهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ﴿٢٠﴾﴾ لا يسبقونه لا يفوتونه لا يعجزونه ولا يكرثونه جل وعلا بل هو محيط بهم قادر عليهم.

﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾﴾ ثناء على هذا الكتاب المُنزّل أنه مجيد أي شريف كريم عظيم ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ دلائل مجد هذا الكتاب كثيرة منها أنه معجز لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، الله تبارك وتعالى صانه عن التبديل والتحريف والتغيير ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ كثير الفوائد غزير المنافع مبارك ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ﴾ لا طريق إلى الله جل وعلا بعد نزوله إلا من خلاله ولا يمكن أن يهتدي أحد ولا يجد السعادة والراحة إلا من خلال هذا القرآن ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ومن مجد هذا القرآن وبركته أن الله تبارك وتعالى يرفع به أقواماً ويضع به آخرين. وهذا يذكّرني بحديث نافع بن عبد الحارث حين استعمله عمر على مكة فلقيه عمر وهو في أثناء الطريق بعُسْفان فقال له عمر: من استعملت على مكة؟ يعني من استخلفت بعدك على مكة؟ فقال: ابن أبزى، قال عمر: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، فقال عمر: فاستخلفت عليهم مولى؟! فقال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، عالمٌ بالفرائض، فقال عمر رضي الله عنه وكان وقافاً عند حدود الله أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين" .

قال الله جل وعلا:﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ﴿٢٢﴾﴾ هذا القرآن المجيد قد حفظه الله جل وعلا وصانه باللوح المحفوظ ولذلك لا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد والله أعلم.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير- د. عيسى بن ناصر الدريبي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، ورئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في الحلقات السابقة شيئاً مجملاً عن بعض الاتجاهات في التفسير مثل الاتجاه اللغوي والاتجاه الفقهي ومما ذكرتم في اتجاهات التفسير الاتجاه الموضوعي ماذا عن هذا الاتجاه؟ وماذا عن موضوعه ومجالاته؟ حبذا أن تطلعوا السامع الكريم على هذا الاتجاه.

د. الدريبي:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد.

سبق أن ذكرنا من اتجاهات التفسير نحن نعددها في الحلقات السابقة التفسير الموضوعي وهو أحد الاتجاهات التي برزت بقوة في هذا العصر وكان العلماء أو الباحثين الذين كتبوا في هذا اللون من ألوان التفسير يذكرون أن بذوره قديمة وموجودة ويذكرون لذلك أمثلة وأدلة سنتطرق إليها إن شاء الله.

التفسير عموماً هو هدفه الكشف عن مراد الله عز وجل بيان المراد بالآية الكريمة وهذا الأمر قد يُسْلك فيه عدة مسالك منها التفسير التحليلي الذي يُعنى ببيان المفردة القرآنية وتحليليها وغريبها وألفاظها وما فيها من قراءات وما يتعلق بذلك من تفصيلات، وهنالك اتجاه آخر لعله إن سمح الوقت فيما يأتي نتحدث عنه الاتجاه الإجمالي، هنالك التفسير المقارن الذي يقارن بين أقوال المفسرين وهذا لون له الآن له وجود بشكل كبير جداً في الدراسات وفي الأبحاث وفي التأليف وحتى في الرسائل العلمية وهو التفسير الموضوعي.

حتى نبدأ بشيء من البيان نتحدث عن تعريف هذا اللون أو هذا الاتجاه مكون كغيره من الاتجاهات من كلمتين التفسير والموضوعي، والتفسير سبق الحديث عنه. وكلمة الموضوعي نُسِب التفسير إلى هذا الأمر وهو أنه تفسير موضوعي واختلف الباحثون الذين كتبوا في تعريف هذا التفسير الموضوعي ما المراد به لكن في إجمال هنالك تعريف من التعاريف التي لها قبول كبير جداً وهو: أن التفسير الموضوعي علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر هذا التعريف هو تعريف شيخنا الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم في كتابه (مباحث في التفسير الموضوعي). وهنالك من عرفه بتعريف آخر فقال: هو علم يعني بالكشف عن موقف القرآن من قضية ما، في ضوء ما يتصل بها من آيات ضمن منهج ذي مجالات وخطوات.

وفي الجملة كل التعاريف ترتكز على أن هذا اللون أو هذا الاتجاه من اتجاهات التفسير وهو يتناول موضوع معين في القرآن الكريم فيُجمع آياته، أو يتناول لفظة قرآنية فيُنظر لها حسب ورودها في القرآن الكريم ثم تُدرس دراسة موضوعية. هذا الاتجاه من اتجاهات التفسير الموضوعي كما قلنا أنه أكثر ما برز في القرن الرابع عشر الهجري وكان بدايات ذلك حينما قُرّر في الأزهر في كليات أصول الدين مادة وكتب فيها وأصبحت بعد ذلك عَلَما مستقلا أو فنّا من فنون التفسير يُؤلف فيه ويكتب، لكن الباحثين الذين كتبوا في تعريف التفسير وفي تاريخ هذا التفسير وجذوره قالوا أن له جذوراً قديمة منذ التفسير الأول وهو تفسير النبي صلى الله عليه وسلم إذ أن هذا التفسير يرتكز على جمع الآيات المتناظرة في موضوع ما والمتقاربة تتحدث عن موضوع ما وهذا لا شك كما يعرفه الإخوة المستمعين أن هذا يُعد من تفسير القرآن بالقرآن وهذا العلماء والمفسرين الذين فسروا القرآن الكريم يُجْمعون على أن هذا اللون أو أن هذا الطريق من طرق تفسير القرآن بالقرآن أول ما يتجه إليه نظر المُفسّر وذلك أن القرآن يُفسر بعضه بعضاً. وحينما نتأمل في التفسير الموضوعي كما سيأتينا في مجالاته نرى وبوضوح أن التفسير الموضوعي يعتمد في الركيزة الأولى على جمع الآيات التي تتحدث عن موضوع واحد، أو جمع الكلمات التي وردت في آيات في موضوع واحد لتكون مجال الدراسة، على هذا نثبت أن جذور هذا العلم قديمة. كذلك العلماء الذين تحدثوا أو كتبوا في تفسير القرآن الكريم وكتبوا فيه من مجالات أو من جمع موضوعات متقاربة مثل ما سبق معنا في اللقاءات السابقة تفاسير الفقهاء هي في الحقيقة حينما تنظر لها أنها لون من ألوان التفسير أو إشارة إلى بذور التفسير القديمة وهو أن العلماء يجمعون الموضوعات التي تتحد أو تتقارب فيتحدثون عنها ويؤلفون عنها مثل ما حدث في آيات الأحكام، الفقهاء الذين جمعوا آيات الأحكام ثم درسوها وتحدثنا عنها سابقاً وهذا أيضًا هو تأصيل لهذا الموضوع وهو التفسير الموضوعي.

كذلك أيضاً علم عند أصحاب الدراسات القرآنية وهو قديم وهو الأشباه والنظائر وهو اتجاه قديم في جمع الكلمات أو في دراسة الكلمة التي وردت في القرآن الكريم ومعرفة معناها في كل موضع ترد فيه في القرآن الكريم مثل كلمة (أُمّة) في القرآن الكريم وردت في عدة آيات، علماء الأشباه والنظائر جمعوا وقفوا عند مثل هذه الكلمة وأوردوا مواضعها في القرآن الكريم ودرسوها دراسة مستفيضة وبينوا معانيها. وقل هذا في كثير من الكلمات الإسلام أو الصلاة في القرآن الكريم أو غير ذلك أو كلمة خير في القرآن الكريم أو غيرها من الكلمات التي وردت في القرآن الكريم والعلماء تحدثوا عنها سابقاً في كتب الأشباه والنظائر ولا شك أن هذا لون من ألوان التفسير الموضوعي.

هذه الإشارات تؤكد تمام التأكيد أن بذور هذا العلم قديمة وإن كانت لم تتضح أو لم تتبلور قضية التفسير الموضوعي في هذا الوضوح فأصبح اتجاهاً يؤلف فيه إلا في هذا العصر في القرن الرابع عشر حينما دُرّست كما أسلفنا اعتمد هذا المقرر كمادة من مواد كلية أصول الدين في جامعة الأزهر فأُلف فيه وأصبح ذلك اتجاهاً من اتجاهات التفسير يُؤلف فيه ويُصنف ويُكتب على حسب الاتجاهات التي سيرد الحديث عنها.

هذا مقدمة تمهيدية لتعريف هذا العلم لبذوره القديمة ونشأته الحالية.

لا شك أن التفسير بمختلف اتجاهاته التي تتحدث عن التفسير التحليلي والمقارن والإجمالي وهذا التفسير الموضوعي كل منها يخدم جزءاً من كلام الله ويصب في خدمة تفسير كلام الله من جانب غير الجانب الآخر لكن التفسير الموضوعي يحتاج كما يذكر الباحثون الذين يتحدثون في التفسير الموضوعي والذين يمارسون ونحن وكثير من الزملاء قد كتبوا في مثل هذه الموضوعات الذي يتحدث ويكتب في التفسير الموضوعي يحتاج أن يكون لديه ملكة قوية متمكنة في اتجاهات التفسير الأخرى في التفسير التحليلي وفي التفسير المقارن وفي التفسير الإجمالي فإن بيان القرآن بهذا التفسير الموضوعي تعتمد بدرجة كبيرة على إتقان المفسر للاتجاهات السابقة. لكن الاتجاهات السابقة هنالك مجالات لا تحققها في التفسير أو لا تبرزها بشكل كبير وبرز الحاجة إليها في هذا العصر، وقد ذكر الإمام ابن عاشور في مقدمته أن من المهم أن نستحضر مقاصد القرآن الكريم وذكر ثمانية مقاصد لمن أراد أن يُؤلف في التفسير ينبغي له أن يستحضرها ونذكرها بإجمال:

1- إصلاح الاعتقاد.
2- تهذيب الأخلاق.
3- التشريع.
4- سياسة الأمة بإصلاحها وحفظ نظامها.
5- عرض القصص وأخبار الأمم للتأسي بصالح أحوالهم.
6- التعليم بما يناسب حالة عصر المُخاطبين.
7- المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير.
8- الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول.

هذه الثماني المقاصد في التفسير الموضوعي يكشف عنها ويساهم بشكل كبير جداً في تجلية مقاصد القرآن الكريم وهنا تنبع حقيقة أهمية التفسير الموضوعي كاتجاه من الاتجاهات المهمة التي يجب العناية بها في هذا العصر.

حساب الجمعية في تويتر ( تبيان )،

أو صفحة الفيس بوك الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه،

أو الموقع الالكتروني  www.alquran.org.sa،

أو البريد الالكتروني tbeian@hotmail.com

أو حساب الجمعية في اليوتيوب (الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه تبيان).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل