برنامج تبيان - سورة البروج- 1

سورة البروج - 1

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:بمشيئة الله تعالى في هذه الصفحة الجديدة سنشرع إذا يَسّر الله سبحانه وتعالى في تفسير سورة البروج، ماذا عن التعريف بهذه السورة وتنزلتها وأنوارها وهداياتها؟

د. محمد السريع:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

سورة البروج سورة مكية وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة أنه كان يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ وعدد آي هذه السورة ثنتان وعشرون آية. وأما موضوع هذه السورة ومقصدها الرئيس فهو حديث عن حال المؤمنين وحال الكفار والفجار. قد أقسم الله جل وعلا في هذه السورة على حادثة حصلت وهي ما ذكره جل وعلا بقوله:﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿٤﴾ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴾ إلى آخر الآيات. وأيضاً في ختام هذه السورة  إشارة إلى واقع الكفار والملأ حين يقفون في وجه الدعوة ويُنَاوؤن رسل الله جل وعلا كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴿١١﴾ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴿١٧﴾ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴿١٩﴾ وَاللَّـهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ إذاً موضوع هذه السورة هو في الحديث عن حزب الله المؤمنين وعن الكفار والفجار وما يصير إليه هؤلاء.

يقول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴿١﴾ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴿٢﴾ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴿٣﴾ أقسم الله جل وعلا بالسماء واليوم والشاهد ومشهود. أما السماء فهي معروفة، ومعنى قول الله جل وعلا: ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ قال بعض المفسرين: أي ذات النجوم العظام كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾ وقال بعض أهل العلم أن المقصود بالبروج هنا منازل الشمس والقمر التي تنزل فيها حين تسير في كل يوم من أيام السنة، وأيّاً ما كان سواء قيل أنها منازل الشمس والقمر فهي من النجوم السَّيّارة، أو قيل أنها النجوم العظام فإن الشمس والقمر من أعظم النجوم التي وضعها الله جل وعلا في السماء.

﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴿٢﴾﴾ هو يوم القيامة حين يجمع الله جل وعلا الخلق كلهم أولهم وآخرهم، إنسهم وجِنّهم وهو يوم موعود لأن الله جل وعلا وعد الخلائق بهذا اليوم.

﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴿٣﴾﴾ الشاهد والمشهود تنوعت عبارات السلف في بيان معناها فذهب كثير منهم إلى أن المعنى:

·         أن الشاهد هو يوم الجمعة، والمشهود هو يوم عرفة،

·         قال بعض المفسرين: الشاهد هو محمد صلى الله عليه وسلم واستدلوا على ذلك بقوله جل وعلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ وأما المشهود فقالوا هو يوم القيامة واستدلوا على ذلك أيضاً بقوله:﴿ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾.

وهذا إنما سقته لبيان الاستدلال بالقرآن على بعض الأقوال التفسيرية أو بيان تفسير القرآن بالقرآن، وأيّاً ما قيل فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن اللفظ عام وأن الشاهد والمشهود يشمل كل شاهد وكل مشهود فاللفظ يقولون عام فهو يشمل هذه الأيام ويشمل الشهداء وفي طليعتهم الرسل وفي طليعتهم محمد صلى الله عليه وسلم، ويشمل أيضاً الأيام المشهودة سواء كان يوم عرفة أو يوم القيامة أو غير ذلك.

ثم جاء جواب القسم بقوله جل وعلا: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿٤﴾﴾ قُتِل أي لُعِن أصحاب الأخدود، والأخدود جمعه أخاديد وهي الحفرة العظيمة، الشَّق العظيم الذي يكون على وجه الأرض. والمراد بذلك قوم كانوا من المشركين والكفار أرادوا من جمع من المسلمين أن يعودوا عن دينهم ويكفروا بالله جل وعلا فلما أبوا وضعوا لهم أخاديد وحُفْر عظيمة في وجه الأرض وأضرموا فيها النار فمن أبى أن يعود عن دينه قذفوه فيها وسيأتي سياق الحديث الصحيح الذي فيه شاهد على ذلك.

قبل أن أواصل في بيان هذا الحديث نبين معنى الآيات على وجه العموم:

يقول الله جل وعلا: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿٤﴾ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ أي النار الموقَد عليها حين وضعوا هذه الأخاديد وأضرموا فيها النيران.

﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿٦﴾﴾ هؤلاء أصحاب الأخدود حين خدّوا الأخاديد وأضرموا فيها النيران قعدوا حولها وهم على ما يفعلون بالمؤمنين من النكال والعذاب وقذفهم في النار من أجل صَدّهم عن دين الله جل وعلا شهود حاضرون ذلك.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿٨﴾﴾ أي لم يكن لهؤلاء المؤمنين الذين قال الله عنهم ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ لم يكن لهم ذنب يُذكر إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد جل وعلا. وهذا في الحقيقة فيه تقبيح لما قام به هؤلاء الكفار أنهم عَذّبوا ونَكّلوا وقَتلوا أقواماً ليس لهم في الحقيقة ذنب وإنما أفعالهم محامد ومدائح. فالتعبير القرآني أنه ليس لهم ذنب وإنما أتوا بما يستحقون أن يُحَمدوا من أجله وهو الإيمان بالله العزيز الحميد وهذا كما قال الله جل وعلا عن المنافقين في سورة براءة:﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ هل أن أغناهم الله ورسوله من فضله يستحق أن يغضبوا وأن ينقموا على المسلمين؟! لا، ولكن لتقبيح حالهم وشأنهم ذكر الله جل وعلا هذا الأمر. وهنا قال الله جل وعلا في هذه الآية ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿٤﴾ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿٥﴾ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿٦﴾ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴿٧﴾﴾ النص على وصف المؤمنين أيضاً فيه تقبيح لحال هؤلاء الكفار أنهم عَدوا واعتدوا على من آمن بالله فهؤلاء مؤمنون بالله جل وعلا ومع ذلك تَجرّأ عليهم هؤلاء. ثم جاء التأكيد ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿٨﴾﴾ ولاحظ هذا الختام لهذه الآية ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿٨﴾﴾ العزيز هو الغالب الذي لا يُغَالَب ولذلك من عزّته سَيَنْصر هؤلاء المؤمنين وسَيُذّل ويَدْحر هؤلاء الكفار إن عاجلاً أو آجلاً. فما داموا آمنوا بالله العزيز الحميد فإن الله تعالى ناصرهم وخاذل هؤلاء الكفار ما دام إيمان المؤمنين بالله العزيز الحميد جل وعلا.

والحميد اسم من أسماء الله جل وعلا وهو المحمود سبحانه وتعالى في أقواله وأفعاله وأوصافه.

هنا أريد أن أُشير إلى المناسبة بين المُقْسَم به وجواب القسم أو المُقْسَم عليه، المقسم به: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴿١﴾ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴿٢﴾ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴿٣﴾﴾ وجواب القسم: ﴿ قُتِلَ﴾ أي لعن ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿٤﴾﴾ هؤلاء الكفار الذين صنعوا الأخاديد لتعذيب المؤمنين بالله جل وعلا.

·         فأولاً قَسَمٌ بالسماء فيه إشارة ربما والله أعلم فيه إشارة إلى علو همة هؤلاء المؤمنين الذين آمنوا بالله وارتضوا ما ينالهم في ذات الله جل وعلا.

·         فيه أيضاً إلى أنّ هذا الظالم والمظلوم شأنهم سيرتفع إلى ربّ السماء جل وعلا ربّ هذه السماء ذات البروج.

·         أيضاً قوله جل وعلا في القسم: ﴿ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ إشارة إلى أنّ ما حصل لهؤلاء ليس هو نهاية المطاف حتى ولو كانوا قُتِلوا في هذه الدنيا أو عُذّبوا أو نُكّل بهم، حتى ولو انتصر هؤلاء الكفار بادئ الأمر فإن المردّ إلى يوم موعود سيجتمع هؤلاء في يوم يُقّتص فيه للشاة الجلحاء من الشاة القرناء فضلاً عن البشر فضلاً عن المؤمنين الذين إنما نالهم ما نالهم بإيمانهم بالله جل وعلا.

·         ثم بعد ذلك أيضاً قوله جل وعلا في القسم: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ إذاً هؤلاء الشّهود أيّاً كانوا هؤلاء الذين شهدوا على هذه المظلمة العظيمة أقوام ليس لهم ذنب إلا أنهم قالوا آمنا بالله ومع ذلك يَتسلّط عليهم الأعداء فسيشهد من أمَرَهُ الله جل وعلا بالشهادة ومن حضر هذه المظلمة يوم يجتمع الناس في اليوم الموعود عند ربّ السماء جل وعلا.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير- د. عيسى بن ناصر الدريبي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، ورئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: تحدثنا فيما سبق عن اتجاهات التفسير وذكرت منها الاتجاه الفقهي ماذا عن هذا الاتجاه؟ وماذا عن أهم كتبه وما أُلّف فيه؟

د. الدريبي:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد.

سبق أن تحدثنا في حلقات سابقة عن اتجاهات التفسير وقلنا أن هناك عدة اتجاهات، وبعضهم يسميها ألوان التفسير وهذا الاتجاه الذي سيكون الحديث اليوم عنه هو التفسير الفقهي، ربما يتضح من عنوانه ما المقصود بهذا الموضوع، ما المقصود بهذا التفسير وهو أنه يتجه إلى الأحكام الفقهية ربما هذا واضح من العنوان. وهو جزء أيضاً من أنواع التفاسير المُتخصصة التي تأثرت بالمُفسر وما يُجيده أو ما يَهواه أو ما يصطبغ به. هذه الصبغة - صبغة تأثر التفسير بتخصص المُفسّر- أشار إليها الإمام السيوطي وهو يتحدث عن اهتمام كل واحد من أصحاب التخصصات بالتفسير وسعيه إلى أن يُوجِد حُجّة من القرآن الكريم لتخصصه أو لما يذهب إليه حيث يقول رحمه الله: "ثمّ صنّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم، فكان كلّ منهم يقتصر في تفسيره على الفنّ الذي يغلب عليه، فالنّحوي ليس له هَمّ إلا الإعراب، وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل قواعد النّحو ومسائله وفروعه وخلافياته، كالزجّاج والواحدي في البسيط، وأبي حيّان في البحر والنهر" ثم يذكر نوع آخر فيقول: "والإخباري – أي الذي يهتم بالأخبار - ليس له شغل إلا القصص واستيفائها والإخبار عمّن سلف، سواء كانت صحيحة أو باطلة كالثعلبي، والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد، وربما استطرد إلى إقامة أدلّة الفروع الفقهية التي لا تعـلّق لها بالآية، والجواب على أدلّة المخالفين، كالقرطبي". طبعاً السيوطي في هذا النقل الذي نقلناه يشير إلى أن الذين كتبوا في التفسير اصطبغت تفاسيرهم بالفن الذين يميلون إليه، أو الذي يتقنونه وهذا ربما استجابة طبيعية لأي شخص يُؤلّف في شيء يستجيب طبيعياً للتخصص الذي يميل إليه أو ربما بعضهم أراد أن يُقيم الحُجّة في تخصصه من القرآن الكريم. وإن كان ما ذكره الإمام السيوطي وذكر هذا ذكر أمثلة هذه الأمثلة ربما يكون فيها شيء من - الإمام السيوطي إن صح التعبير بالغ في بعض ما قال لكن من حيث الأصل هذا صحيح، من حيث التطبيق هذا واقع في كتب التفسير- إذاً التفسير الفقهي أحد اتجاهات التفسير الموجودة التي أُلّفت فيها وهو لو أردنا أن ندرجه تحت مناهج المفسرين هو يدخل تحت التفسير بالرأي، أقصد الرأي المبني على علم وعلى فقه بل إن الإمام الطاهر بن عاشور جعل مشروعية هذا التفسير وهو التفسير الفقهي أحد الأدلة على جواز التفسير بغير المأثور قال: "وهل استنباط الأحكام التشريعية من القرآن خلال القرون الثلاثة الأولى من قرون الإسلام إلا من قبيل التفسير لآيات القرآن بما لم يسبق تفسيرها قبل ذلك". فهو أي التفسير الفقهي اجتهاد من المؤلف من المُفسّر حينما يأتي لآيات الأحكام ويذكر فيها آراء الفقهاء وأقوالهم وخلافاتهم.

التفسير الفقهي يُعنى بالدرجة الأولى كما هو واضح من العنوان كما ذكرنا يُعنى بالأحكام الفقهية ولا شك أن هذه الأحكام الفقهية في القرآن الكريم هي من أهم المقاصد التي جاء القرآن الكريم لبيانها حينما عَدّد الإمام الطاهر بن عاشور في مقدمته مقاصد القرآن ذكر منها هذا المقصد وهو بيان أحكام الشريعة ولهذا هذا الموضوع من الموضوعات الهامة التي كانت من المقاصد التي اهتم القرآن الكريم بها مما حدا ببعض المؤلفين في التفسير إلى اختصاصها بتفاسير خاصة.

الحديث عن التفسير الفقهي وعن تطوره وعن نشأته لا شك أن بذوره قديمة وموجودة فالنبي صلى الله عليه وسلم قد فَسّر بعض الآيات التي فيها أحكام فقهية، وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم قد فسّروا بعض الآيات التي فيها أحكام فقهية مثل استدلال علي رضي الله عنه أن المرأة تعتد بأبعد الأجلين: وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وسبب الخلاف في ذلك أن الله جعل عدة المطلقة الحامل وضع الحمل، وجعل عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا من غير تفصيل، فهذا أحد الآراء في عدّة الحامل ولا شك أننا نحن نستشهد دون أن ندخل في الترجيح، نستشهد بأن الصحابة رضوان الله عليهم اهتموا بتفاصيل آيات الأحكام كغيرها من آيات القرآن الكريم لكن هذا يتحدث عنه الذين يتحدثون في التفسير الفقهي أن بذور هذا العلم موجودة ولا شك أن المفسرين الذين ابتدأوا بالتأليف فيه والتدوين فيه تحدثوا عن الآيات التي فيها أحكام فقهية فمثلاً ابن جرير الطبري هو صاحب مذهب فقهي وإن لم يكن له أتباع وينتشر لكنه يتعرض للأحكام الفقهية يتحدث عن تفسير آيات الأحكام الفقهية وإن كان هو لا يُصّنَف من حيث التصنيف الذي يبين فقط التصنيف للتعليم لا يُصّنَف أنه من التفاسير الفقهية لكن فيه حديث عن ذلك.

الذين يتحدثون في التفسير الفقهي يتحدثون في موضوع عدد آيات الأحكام وهنالك اتجاهان في تحديد هذه الآيات:

1.      هناك اتجاه يحدد هذه الآيات بعدد معين سواء كانت هذه الآيات مائتي آية وبعضهم يرى أنها مائتين وخمسين آية، وبعضهم يرى أنها خمسمائة آية وهذا أحد الاتجاهات التي تُحدد آيات الأحكام.

2.      وهناك اتجاه آخر لا يرى تحديد آيات الأحكام بعدد معين ويرى أن كثيرًا من آيات القرآن الكريم حتى القصص القرآني حين يقف معها المُفسّر ويتأملها ويتدبرها قد يستخرج منها حكماً، قصة شعيب قضية الإجارة وما يتعلق بها وقضية المهر قد يكون هو جزء من الحديث الفقهاء قد يقفون مع هذه الآية ويستنبطون منها. كثير من القصص القرآني قد يقف معه المُفسّر صاحب النظر الفقهي الذي يهتم ببيان الأحكام ويستخرج منها.

إذاً عندنا اتجاهان:

الاتجاه الأول فيما يختص بعدد آيات الأحكام الفقهية. اتجاه ينحو إلى تحديدها ويقصد بها آيات الأحكام الفقهية الصرفة التي تتحدث عن الحكم الفقهي فقط أو هي صريحة في الحديث عن أحكام القرآن الكريم وكما ذكرنا أن هناك من يحددها بخمسمائة آية كما ذكر ذلك الغزالي في (المستصفى) وتابعه الرازي وابن العربي، في حين أن بعضهم تعدى مائة وخمسين أو مائتين آية ومن أولئك الصّدّيق حسن القنوجي قال أنها لا تتعدى مائتي آية، هذا اتجاه.

والاتجاه الثاني وهو مقابل الاتجاه الأول لا يحددها بل يرى عدم حصرها بعدد معين ومن هؤلاء الإمام الشوكاني حيث يقول: "ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر، للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ذلك بل من له فهم صحيح، وتدبر كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال. قيل: ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات لا بطريق التضمن والالتزام".

وهذا تخريج لطيف من الشوكاني يقول أن الذين حددوها بعدد محدد قصدوا الآيات التي صرفة تدل على الأحكام دلالة أولية ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ واضح الحديث عنها حديث مثلاً ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾هذا أيضاً حديث عن الأحكام واضح لكن هو يقول إن هؤلاء قصدوا هذا الأمر لكن لا شك أن هناك آيات في القصص وغيرها تحمل أحكاماً ممكن أن يقف منها بحسب دقة المفسر ووقفه معه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل