نظرات في سورة الكهف - الحلقة 30 والأخيرة

نظرات في سورة الكهف - الحلقة 30 والأخيرة
د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ﴿١٠٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿١٠٧﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴿١٠٨﴾ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴿١٠٩﴾ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴿١١٠﴾)

الحمد لله في مفتتح كل أمر وختامه وتمامه، الحمد لله في كل وقت وكل حين، الحمد لله في البدء والختام، الحمد لله على الدوام.
هذه هي الحلقة الخاتمة في هذه النظرات العجلى في سورة الكهف المباركة الطيبة. في ختام السورة حديث عن الختام النهاية مناسبة للنهاية، تناسق قرآني عجيب وبدء السورة متناسق مع ختامها. استحضار الآخرة في آخر السورة والحديث عن النهاية في نهاية السورة.
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿١٠٤﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ) ربهم الذي يربيهم ويرحمهم الذي خلقهم ورزقهم ورعاهم ثم يكفرون به؟ فكلمة (ربهم) مقصودة (وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) إما على وزن الأشخاص وإما على وزن أعمالها، هؤلاء لا شخوصهم لها وزن ولا أعمالهم لها وزن! (حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ساق ابن مسعود: هذه الساق أثقل عند الله من جبل أحد" مع أنها ساق نحيلة، فالأمور بمخابرها لا بمظاهرها.
(ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا) أي بسبب كفرهم، (ما) مصدرية أو اسم موصول أي بالذي كفروا، ولكن المصدرية أنسب بسبب كفرهم. (وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) كفروا، لكن أن تتخذ بعدما كفرت الآيات والرسل المبلّغين لهذه الآيات والرسالات تتخذهم هزوًا؟ مسخرة وإساءة وتنكيت وتبكيت واستهزاء؟! ستلقى الآن شر جزاء مقابل ما كفرت بالآيات والرسل والمرسلين.
في مقابل الجهنميين يذكر المنعمين في جنات رب العالمين (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿١٠٧﴾) رزقنا الله وإياكم أن نكون منهم ومعهم وفي زمرتهم وأحسن خلاصنا وأدخلنا الجنة مع الأبرار. (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الشجرة لا بد أن تطرح ثمر، الإيمان ثمرته التلقائية الطبيعية عمل الصالحات. إيمان بلا عمل صالحات فيه ضعف، لا تأخذ الشجرة غذاءها الكافي، لا يخرج ثمرها، فيها جفاف شديد. إذن هذا الإيمان لا يوصل الغذاء الكافي إلى النبات وإلى الثمر.
(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴿١٠٨﴾) هل يعقل أن يكون أحد في الجنة فيملّ ويريد الذهاب إلى مكان آخر؟! أين تذهب؟! معاذ الله! (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) ليس عنها تحوّل، يا رب ثبتنا في مقامنا هذا، هم يرون أصحاب النار وهم يشوون فيها ويصطرخون فيها (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا ﴿٣٧ فاطر﴾) هؤلاء لا يخرجون وهؤلاء لا يتحولون، إذن نعيم تالد خالد إلى ما لا نهاية، ليس أبدًا نسبيًا، أبدًا مطلقا، خالدين فيها (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا).
(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴿١٠٩﴾) في سورة لقمان (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٧﴾) أهي كلمات هذا القرآن؟ لا، القرآن عظيم ومعاني القرآن لا تنتهي لكن الكلام هنا كلمات ربي في اللوح المحفوظ، علمه المطلق لو حولنا كل بحار الأرض إلى حبر وكل شجر الأرض حولناه لأقلام وكل الخلائق تكتب ما نفدت كلمات الله، كل ذرة لها ملف، عندما نتحلل كل ذرة تكون في مكان وتشتت في الأرض سيجمعها الله سبحانه من كل مكان (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿١٠ السجدة﴾) اذهب حيث شئت ذرّاتك يجمعها العليم الخبير القدير سبحانه.
(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (بمثله) بحر وراء بحر إلى ما لا نهاية بحار لا تنفذ ولا تنتهي كلمات الله عز وجل.
آخر آية في السورة المباركة (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) بشرية مثل بشريتكم، النبي العظيم أعظم مَنْ خلق الله هذا حق مطلق لكنه في النهاية بشر يجوع كما يجوع البشر، يعطش، يتألم، يمرض، يصدّع كالبشر، يشعر بالحرّ كالبشر، يبرد كالبشر، يحزن يتألم كالبشر، يبكي كالبشر، لما مات ابن ابنته بكى، بشر. (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) إنما الفرق عن البشر أنه يوحى إليه أعظم ما يوحى إليه: (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) عمود الدين التوحيد، رزقنا الله حسن الفهم لهذه الكلمة العظيمة التوحيد. الشرك عدو الدين، عدو الحق، عدو الفطرة، عدو الكون، عدو البشرية، عدو الإنسانية، ويتسرب من شقوق النفس ومن الوهن والضعف وأخطر الشرك في هذا الزمان شرك القوة، من جمع في يده القوة يحاول أن يجعل الناس عبيدًا عنده وعبادًا له من دون الله، اعتقد أيها المسلم أن القوة لله جميعًا ولا يملك القوة ولا العزة ولا الغنى ولا المال إلا الله عز وجل. (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) الحقيقة التي قام عليها الدين والحقيقة التي قام عليها الكون والحقيقة التي لن يتحرر الإنسان إلا إذا استقرت في قلبه. من مقاتِل البشر أن تهتز هذه القاعدة، أن يترنح مفهوم التوحيد في القلب فتخاف من الخلقـ نرجو الخلق، تتوكل على الخلق، تتأمل في الأسباب، لا!! كل يقينك في الله عز وجل المحيي المميت المعز المذل الخافض القابض الباسط هو، هو يعز من يشاء يذل من يشاء، ليس هناك إلا هو سبحانه. إن بدا الشرك منتفشًا ومتطاولًا ومتغطرسًا هذا كله إمهال. مثلًا لو اشتريت دابة ومعها حبل طوله ستين مترا تمشي الدابة وتقول أنا حرّة إلى أن انتهت الستين مترًا، أو ستين عاما عمر الإنسان وإذ به في قبضة الملك سبحانه، لمن الملك اليوم في الآخرة؟ لله الواحد القهار.
يبدأ السورة بالتوحيد وتختم بالتوحيد حتى يقرر إذ يكرر. (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ) ما الطريق؟ (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) قدّم رصيدًا يجعلك متأملًا بوجه الله الكريم، بثواب الله العظيم، يجعلك مؤمّنًا تأمينًا شاملًا من النار ومن العذاب ومن المساءلة والخزي والفضيحة. (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ) لقاء حسنًا لقاء مرحبا به لقاء مع الرحمة والإكرام (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) العمل لا بد أن يكون متوفرًا فيه شرطان اثنان:
أن يكون على سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام ولا عمل صالح خارج سنة المصطفى وخارج منهجه وطريقته وأثره
ثم أن يكون مخلَصًا لله عز وجل لا شرك ولا شائبة شبهة من رياء أو سمعة أو غيره.
هذا بعض ما في سورة الكهف، التقصير يحفّ عملنا أسأل الله تعالى أن نكون قد أوصلنا إلى العقول والقلوب بعض المعاني والجوانب من هذه السورة المباركة الكريمة سورة الكهف التي ستقرأونها وتحفظونها أنتم وصغاركم وكباركم جمعنا الله وإياكم على مأدبة القرآن، وأن يكون من القلوب إلى القلوب ومن العقول إلى العقول وصلت بعض المعاني والأفكار حول هذا النور المبين والسراج الوهاج وهذا المنهج المستقيم.

رابط المشاهدة:
http://trustartistic.com/view.php?file=natharat+alkahef+%2830%29


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل