برنامج علّمه البيان - سورة الكهف - 8

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

سورة الكهف – الجزء 8

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

لا زلنا مع سورة الكهف ومع قصة موسى عليه السلام والخضر (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ) (ربك) لم يقل أراد الله لأن الربوبية عطاء ونحن الآن في مقام العطاء فدائمًا رب العالمين في مقام العطايا يستعمل لفظ الربوبية وفي مقام التكاليف يستعمل لفظ الألوهية حينما كلّف موسى استعمل لفظ الألوهية وفي العطابا لفظ الربوبية (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٢﴾ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ طه) هذه عطايا فقال (أنا ربك) لما أراد أن يجعل منه نبيًا استعمل معه لفظ الربوبية وحينما أراد أن يكلّفه قطع الكلام بالألوهية (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾) إذن فالربوبية تشريف والألوهية تكليف كما جاء في القرآن كله.

(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) لم يأت هاهنا لفظ الألوهية (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) وقد مر الكلام على لفظة تسطع فالعرب تقول تستطع وتسطع فتستعمل لفظ استطاع للأبدان ولفظة اسطاع للأذهان فكل شيء يحتاج إلى تفكير وقد يكون فيه لغز تقول له "تسطع" وكل شيء فيه العناء والشدّة تقول "تستطع" وقد جمع الله تعالى بين اللفظين في قوله (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) يحتاج إلى أذهان، إلى فكر (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) يحتاج إلى قوة، فنقب الجدار يحتاج إلى أن تستطع وتسلق الجدار يحتاج منك إلى "تسطع" أن تفكر مع غيرك لتصعد وهذا كله يعود إلى الأفكار والأذهان. فلما كانت قصة موسى مع الخضر كلها ألغاز وشيء خفيّ على النبي موسى فقال له الخضر عليه السلام (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)

في السفينة قال أردت وفي الغلام قال أردنا وفي الجدار قال أراد ربك. فما الفرق بين هذه الإرادة؟ في السفينة قال أردت أن أعيبها لما كان العيب ليس من صفة الخالق وهو الذي أمره به قال (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) ولما انتقل إلى الغلام قال (فَأَرَدْنَا) فأدخل نفسه في الموضوع لأنه نسب العيب لنفسه في قتل الغلام ونسب رزق الغلام الذي سيرزقه الله لهما لله فقال (فَأَرَدْنَا) فهو في العيب والله تبارك وتعالى في الخير. وأما في الجدار لما كان الرزق من الله إذ لا يد لأحد فيه قال (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) لأن الإرادة هاهنا هي إرادة عطاء لأن الإرادة تنقسم إلى خمس: إرادة بلاء، إرادة عطاء، إرادة نقاء، إرادة رجاء، إرادة دعاء. فإرادة عطاء هي المقصودة هاهنا (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) ولم يقل ما عملته وإنما قال (وَمَا فَعَلْتُهُ) والفعل دائمًا هو ما يقوم به الإنسان سرّا ويستعمل القرآن الكريم لفظة الأفعال في الأسرار (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾ الشعراء) كما قال فرعون لموسى، أما العمل هو الذي يكون دائمًا علنيًا، الأفعال فدائما تجد الأفعال تأتي سرًا والأعمال تكون علانية دائمًا وهذا المعروف عند العرب وقد ورد على لسانها.

نعود إلى ما نحن بصدده من أن الخضر عليه السلام لما علّم موسى وأخد موسى درسًا عجيبًا وبيّن له أن الجدار كان لغلامين وكان أبوهما صالحًا وكان صادقًا، الصالح لا يصل إلى درجة الصلاح إلا إذا كان صادقًا فيما يفعل والجزاء يكون من جنس العمل فإن رب العالمين يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب إنما الوفاء هاهنا هو أن يضاعف الأجر لأن الصالح دائمًا يضاعف أعماله والجزاء من جنس العمل فكما أن الصالح يضاعف أعماله في الدنيا ويرتقي دائمًا منحسن إلى أحسن، كل إنسان يكون في درجة الأسوأ إلى سيء إلى حسن إلى أحسن فلما كان يضاعف عمله حتى نجا من الضلال واصبح مؤمنًا يرتقي في الإيمان فإن الله تعالى يقابل أعماله بالمضاعفة لا بالعطاء وبالتوفية قال (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿١٠﴾ الزمر) الصابرون أي الذين صدقوا. وكل إنسان قد يلقى العناء فيما يفعل، الإنسان في الدنيا كلما أراد أن يرتقي في الدرجات لا بد أن يجد العقبات وقد يؤدي الإنسان وقد يدفع نفسه في سبيل الله إذا أراد أن يصل فمن طلب المعالي سهر الليالي (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ العنكبوت) فكان لا بد من صفة الكريم أن يصبر على البلاء ومن صبر على البلاء وصل إلى الدرجات العلا. وقد جاءت هاهنا قصة الوزير ابن بقية وهو وزير عضد الدولة العباسي الذي كان متصدقا وكان رجلا كريما فقد لقي من البلايا ومن الابتلاءات من الناس لأنه كان كريما فلكرم هذا الوزير الذي ستأتي قصته فيما بعد أنه كان كريما كان رجلا لا يخشى الفقر كالريح المرسلة وقد تأسى بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فلقيه من الأذى ةمن الشر ما ستسمعون وذلك يدين الصالحين (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾) وإنما قالها هنا في الصبر، قال صدقوا لأن الصابر في أي فتنة لا تحكم عليه بالصدق إلا في نهاية المطاف (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا) فيما افتتنوا به وصبروا وليعلمن الكاذبين وما يقابل الصدق الكذب لأن أعلى الدرجات من الإيمان هو الصدق والصادقون درجة دون درجة الأنبياء وهي التي يصبو إليها البشر يوم القيامة فيعرف الصادق من الكاذب فمن كتب عند الله صديقا، عندنا الصادق والصدوق والصديق والصديق درجة علينا ليس فوقها شيء إلا درجة الأنبياء النبوة والرسالة ولذلك أبو بكر رضي الله عنه وهو أعلى الأمة على الإطلاق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الصديق ولم يأتي لفظ الصحبة في القرآن عن أحد إلا عن أبي بكر رضي الله عنه حتى قال لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. وقد كان في يوم من الأيام مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزل الأمين جبريل فقال: يا محمد إن السلام يقرئك السلام ويقول لك قل لأبي بكر إني راض عنه فهل هو راض عني؟ فلما سمع أبو بكر رضى الله عنه بكى حتى ابتلت لحيته ولم تأخذه العزة أن الله رضي عنه وإنما قال ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أُخلق فأنزل الله تعالى فيه (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦﴾ الرحمن) فهذه الآية نزلت في الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ثم تبعه في ذلك عمر ثم عثمان ثم عليّ وهم منارة الأمة وهم سرج هذه الأمة بهم تقتدي الأمة كلها لو وضعت الأمة في كفة ووضع إيمان أبو بكر في كفّة لرجح إيمان أبو بكر بالأمة كلها نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء الرعيل الأول ويحشرنا في زمرتهم.  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل