برنامج تبيان - سورة التين/ دور اللغة في تفسير القرآن

Normal 0 false false false EN-GB X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-fareast-language:EN-US;}

برنامج تبيان

سورة التين

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى سنشرع في تفسير سورة جديدة ألا وهي سورة التين ماذا عن التعريف بهذه السورة وبيان موضوعاتها قبل أن نشرع في شرح الآيات.

د. محمد السريّع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذه السورة الكريمة تسمى سورة التين وعدد آيها ثمان آيات. وهي سورة مكية وموضوع هذه السورة هو ما جاء القسم عليه. وبالمناسبة فإن هذه إحدى الطرق التي يُعرف بها موضوع السورة سيما السور القصار هي الوقوف مع جواب القسم، وجواب القسم في هذه السورة يقول الله جلّ وعلا (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿٣﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾) فموضوع هذه السورة هو الإنسان، حياته ورحلته، شقيّ أم سعيد.

(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿٣﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾)

هذه السورة الكريمة صُدّرت بالقسم أقسم ربنا جلّ وعلا بالتين والزيتون وهذا البلد الأمين. أما الين والزيتون فهما الشجرتان المعروفتان كما ذهب إلى ذلك جماهير المفسرين لأن هذا هو المعروف من لغة العرب. وهذا يتضمن الإشارة إلى مكان نباتهما وهو الشام وهو موطن كثير من الأنبياء عبسى عليه السلام وكثير من أنبياء الله ورسله لأن الله جلّ وعلا عطف الله عليها أسماء أماكن أخرى في قوله (وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴿٣﴾) وذهب بعض المفسرين إلى أقوال أخرى وهو أن التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس والطور مسجد نوح ونحو ذلك من الأقوال ولكن هذه الأقوال ليست بظاهرة والصحيح ما عليه جماهير المفسرين مما سبقت الإشارة إليه.

(وَطُورِ سِينِينَ) الطور هو الجبل والمراد الجبل الموجود في صحراء سيناء والذي كلّم الله عز وجل عليه موسى عليه السلام وهذه الصحراء معروفة بين مصر وفلسطين.

(وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) هذا هو الأمر الرابع المقسم عليه والمراد بالبلد الأمين مكة وهذا لا خلاف بين المفسرين فيه والأمين فعيل بمعنى مُفعِل كالسميع لأن من دخله كان آمنا.

جاء جواب القسم بعد ذلك (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) أي خلقناه في أعدل خلق وأحسن صورة متناسب الأعضاء مستوي القامة ذا عقل ورشد وإدراك وزوده الله جلّ وعلا بالوسائل التي تعينه على معرفة الحق وسلوك طريق الرشد وأيضا ركز فيه الفطرة التي تقوده إلى معرفة الخير والرشاد "كل مولود يولد على الفطرة".

(ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾) اختلف المفسرون في قوله جلّ وعلا (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) على قولين رئيسين:

القول الأول: المعنى رددناه إلى النار إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهذا يكون كقوله جلّ وعلا (وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾) كل الإنسان لفي خسر (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾)

القول الثاني: أن معنى رددناه أسفل سافلين أي رددناه إلى أرذل العمر يعني خلقناه في أحسن تقويم مستوي القامة معتدل منتصب ثم رددناه إلى أرذل العمر. وهؤلاء أصحاب هذا القول تنوعت عباراتهم في المراد بالاستثناء في قوله (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فذهب بعضهم إلى أن المعنى إلا الذين آمنوا إذا هرموا يكتب لهم ما كانوا يعملون حال الصحة، وقال آخرون إلا الذين آمنوا لا يؤاخذون بما عملوا حال الهرم، وقال آخرون بل الاسثتناء منقطع والمعنى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾) لكن الذين آمنوا، جملة جديدة الاستثناء فيها منقطع (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾) وهذا التوجيه هو أقرب التوجيهات فيما يتعلق بالقول الثاني. فإما أن يكون المعنى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) رددناه إلى النار إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات أو يكون المعنى رددناه إلى أرذل العمر ويكون الاستثناء منقطعًا.

قال الله جلّ وعلا (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) آمنوا جمعوا بين التصديق والعمل الصالح هؤلاء ثوابهم أن لهم أجر غير ممنون وغير ممنون أي غير مقطوع وأعظم ما يكدر على أهل النعيم نعيمهم في هذه الدنيا  أنه منقطع زائل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد أمته إلى تذكر هذا الزوال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. ويقول صلى الله عليه وسلم: أكثروا ذكر هادم اللذات، الموت لا بد قادم، ليس ثمّة حقيقة يجتمع عليه البشر كإيمانهم بحقيقة الموت لأنهم يرونه حقيقة ماثلة أمامهم. هذا أعظم ما يكدر على أهل اللذات لذاتهم لأن هذا النعيم هذا المتاع لا بد له حدّ ينتهي إليه فالصحة إلى مرض والغنى إلى فقر والحياة كلها برمتها إلى موت لكن أعظم ما يمتع نعييم الآخرة في جنات النعيم أن النعيم فيها خالد أنه غير منقطع غير ممنون ولذا يؤكد ربنا جلّ وعلا على هذه المنّة وهذه النعمة في كثير من الآيات ومنها هذه الآية ويقول في سورة التوبة (وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴿٢١ التوبة﴾) ويقول (خالدين فيها) ويقول عن نعيم الجنة أنه خير وأبقى. وهذا لا شك إذا تذكره المؤمن ضاعف همته في مسيره إلى الله جلّ وعلا نسأل الله الكريم من فضله. قال الله جلّ وعلا (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي غير مقطوع.

(فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾) هذا استفهام إنكار، ما يكذّبك أيها المكذب الكافر الفاجر بعد هذا الذي ذكر لك، ما يكذبك بالدين؟ ما يحملك على التكذيب به؟! والدين هنا هو الجزاء والحساب والدين في لغة العرب وفي القرآن الذي نزل على لغة العرب يطلق على معنيين رئيسين:

المعنى الأول يطلق بمعنى الجزاء والحساب كما في قوله جلّ وعلا (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾ الفاتحة)

ويطلق أيضًا على المِلّة والشِرعة ومنه قول الله جلّ وعلا (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19]

وفي هذه الآية المراد به الجزاء والحساب كما في المثل المشهور عند العرب "كما تدين تدان" ويجوز أن يحمل على المعنى الآخر فيكون (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) أي الملة والشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان الأول أقرب وأظهر ولكن لا مانع من إرادة المعنى الثاني أي أيّ شيء يحملك أيها الإنسان على التكذيب بيوم الجزاء وقد علمت البدء قال الله (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) لم يخلق نفسه ولم يُخلق من لا شيء وإنما لا بد له من خالق (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴿٣٥﴾ الطور) لما سمعها جبير بن مطعم رضي الله عنه وأرضاه قال: كاد قلبي أن يطير. فإذا علمت أيها الإنسان ما يكذبك بعد بالدين؟ ما يحملك على هذا التكذيب؟!

وهنا في هذه الآية التفات لأن الكلام فيه انتقال من الغيبة إلى الخطاب (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾) هذا غاب ثم قال جلّ وعلا على سبيل الخطاب (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾) والالتفات كما يسميه ابن جنّي شجاعة العربية هو في الحقيقة لتقوية الخبر وأيضًا لشد انتباه المستمع إلى الكلام الذي سيلقى عليه. (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾) الذي لا يجور جلّ وعلا ولا يظلم أحدا ومن عدله سبحانه وبحمده أن يقيم القيامة فينصف المظلوم ويثيب الطائع ويعاقب العاصي فهذه إحدى الدلائل العقلية التي يسوقها القرآن لاثبات البعث بعد الموت أن من حكمته وعدله جلّ وعلا أنه لا بد من يوم آخر يثاب فيه الطائع ويعاقب العاصي وينصف المظلوم من الظالم نسأل الله جلّ وعلا أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير- د. حسين بن علي الحربي الأستاذ المشارك في جامعة جازان عضو الجمعية العلمية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:ما دور اللغة في تفسير القرآن الكريم؟

د. حسن ين علي الحربي:بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ لا شك أن لغة العرب هي لغة القرآن التي نزل بها وهي مصدر مهم من مصادر التفسير في بيان معاني القرآن ولا يستغنى عنها أبدًا في فهم القرآن إذ هو نزل بهذه اللغة وعلى سننها في الكلام. لكن ثمة قيود وضوابط يجب أن يراعيها المفسّر أو الدارس لأقوال المفسرين في التفسير اللغوي. من وجهة نظري أنه يجب على أيّ ناظر في كلام المفسرين أو في كتب التفسير أن ينظر بأن كل أقوال اللغويين أو المفسرين المستندة إلى اللغة يجب أن تُحكم إلى أمر كلي وهو: قبول دلالة ألفاظ القرآن لهذا المعنى اللغوي وقبول سياق الآية لهذا المعنى بمعنى أن المعنى اللغوي حتى لو كان معنى صحيحًأ مستخدمًا في اللغة فإنه لا يعني هذه الصحة والاستخدام في لغة العرب أنه يجوز أن نفسر به القرآن مطلقا دون قيد أو شرط بل يجب أن نخضع هذا المعنى الصحيح استعمالا وهو شرط أول في قبول التفسير اللغوي والشرط الثاني أن يكون هذا المعنى مندرجًا تحت مدلول اللفظ لا نادًّا عنه ولا مفتئتًا عليه والأمر الثالث أن يكون سياق الآية يقبل هذا المعنى الذي دلّ عليه اللفظ من حيث المدلول اللغوي. فكل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو مردود على قائله كائنا من كان.

فالله تعالى خاطبنا بالقرآن وهذه الألفاظ القرآنية لها دلالاتها التي تدل عليها فإذا كان المعنى مندرجًا تحت ما دل عليه اللفظ إما مطابقة أو تضامنًا أو التزامًا، مفهوما أو موافقا أو مخالفا كل ذلك داخل في المعنى الدلالي لمعنى أن يكون التفسير تفسيرا دلاليًا فهذا وجه في القبول يُشترط له أن يكون السياق دالًا عليها أيضًا أو أن السياق يقبل هذا المعنى.

يفيدنا هذا الضابط في التعجب والنظر في إفساد الطوائف المنتسبة إلى أهل القبلة إفسادهم لمعاني القرآن وأقرب مثال يمكن أن نمثل به على إفساد هذه الطوائف لمعاني القرآن، طوائف الباطنية بشتى أنواعهم من الروافض أو المغرقين في التصوف ونحوهم فقد تلاعبوا بألفاظ القرآن وخرجوا عن الجانب الدلالي سواء كان مستندهم جانب لغوي أو كان لا مستند لهم في ذلك. المهم أن دلالة ألفاظ القرآن ودلالة السياق لا تقبل هذه المعاني. وأتجاوز هذا القدر إلى شيء آخر وهو أنه أحيانا يكون المعنى المفسر به مستعملا في اللغة وليس نادّا عن دلالات اللفظ بل هو داخل في دلالة اللفظ. من الأمثلة على ذلك: لفظة "سليم" العرب تطلق لفظة سليم على اللديغ تفاؤلا بسلامته من اللدغ إذا لدغته حية أو عقرب العرب تقول فلان سليم بمعنى لديغ. عندما يأتي المفتئت على القرآن ويفسر قول الله عز وجل (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٩﴾ الشعراء) يقول هو قلب لديغ من خشية الله، نقول هذا ضرب من الافتئات والكذب على القرآن الكريم وإن كانت لفظة سليم في الآية هي لفظة سليم في اللغة من حيث الألفاظ لكن الدلالة في اللغة دلت على هذا المعنى دلالة صحيحة أما في الآية فسياق الآيات في هذه القصة يرفض هذا المعنى جملة وتفصيلًا. هذا جانب من جوانب الحذر في جانب التفسير اللغوي.

القضية الثالثة في التفسير اللغوي أنه يجب عندما ننظر في تفسير القرآن من خلال لغة العرب أن يكون الاختيار والانتقاء من كلام العرب في تفسير القرآن انتقاء راقيا كما أن ألفاظ القرآن كما يقول ابن القيم ملوك الألفاظ فكذلك معانيه يجب أن تُختار أجمل المعاني وأبلغ المعاني وأفضلها من حيث اللدلالة ومن حيث قبول السياق لها فيجب أن تفسر ألفاظ القرآن ونصوصه من حيث دلالات القرآن الشرعية والعرفية واللغوية وأيضًا أن يكون الأكثر استعمالا في اللغة ولا يلتفت إلى الاستعمالات الضعيفة أو الشاذة أو المنكرة.

مثل هذا الضابط وهذه القاعدة ترشدنا أيضًا إلى أننا عندما نحاكم أقوال المفسرين أو بعض من ينتسبون إلى التفسير ممن كتبوا من الطةائف والفرق نحاكمهم إلى الدلالة اللغوية إذا كان مستعملا في كلام العرب قبلنا وإذا كان غير مستعمل في كلام العرب رفضنا وإن كان مستعملا على وجه القلة والشذوذ تركنا وأخذنا المشهور وثم نأخذ هذا الصحيح والمشهور والاستعمال الكثير ونعود به إلى السياق فإن كان السياق قابلًا له ومتفقا معه قبلناه وإذا كان السياق يرفض هذا المعنى رفضناه.

افتتن كثير من الذين نحوا في المدرسة العقلية المعاصرة  في تفسير القرآن بما هو موجود عند الغرب من اكتشافات وحضارة ورأوا أن من كمال تفسير القرآن أن تنزّل هذه الألفاظ والمصطلحات على تفسير القرآن وهذا منحى خطير في التلاعب بفهم القرآن فإن من المقرر عند أهل العلم أن القرآن يجب أن يفسّر وفق العرف الذي كان موجودًا وقت تنزل القرآن فكل عُرف حادث في الاستعمال اللفظي للألفاظ وللجمل والتراكيب عُرف حادث بعد عصر التنزيل فإنه لا يفسر به القرآن. أضرب مثالًا على هذا الشذوذ في فهم القرآن في تفسير الطير الأبابيل في سورة الفيل (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿٣﴾ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٤﴾ الفيل) يأتي بعض أهل المدرسة العقلية الحديثة يفسر الطير الأبابيل التي رمت أصحاب الفيل بحجارة من سجيل قال هذه يمكن أن تكون هذه الطير عنده من جنس الذباب أو البعوض أو الميكروبات والحجارة يفسرها بأنها الجراثيم التي تنقل الأمراض الفتاكة. السؤال المهم: هل كان العرب الذين خوطبوا بهذه الألفاظ وبهذه الجمل والسياقات هل كانوا يعرفون هذه الجراثيم والميكروبات حتى خاطبهم الله بها؟ قطعًا أنه لم يكن ذلك معروفا بل ذلك من الاكتشافات الحديثة. يقول المفسرون: فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل بعض الأمراض وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسد دخل مسامّه فأثار فيه تلك القروحات التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه وأن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يعدّ من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر. كونها من جند الله لا نزاع في ذلك لكن كونها هي المرادة من هذه الآية هذا كلام لا يوافق عليه أبدًا، فهل كانت العرب تعرف في لسانها وقت التنزيل الإخبار عن هذه الميكروبات والجراثيم التي اكتشفت مؤخرًا؟ كلا، هل كان في عرف اللغة العربية واستعمالاتها إطلاق لفظ الطير على الحيان الذي يسمى الميكروب؟ طبعا كلا! الآية صرحت بكلمة الطير (طيرا أبابيل) والخطاب كان لقريش وقريش كانت تكذب النبي صلى الله عليه وسلم ويبحثون عما يقدح في رسالته فإذا لم تكن طيرا رآها قريش فلماذا سكتوا؟ وإلا كانت أكبر حجة لهم عندما قال (أرسلنا عليهم طيرا أبابيل) وهم لم يروها لكان أكبر حجة لهم في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم لو كان ذلك صحيحا مما يدل على فساد هذا القول وبعده عن فهم الآية كل البعد والأمثلة على هذا الشطط كثيرة وعظيمة وهو يمثل مسلكا خطيرا خاصة عند تحديث هذه المدرسة من فترة لأخرى ومناداتها إلى قرآءة نصوص القرآن بطرق مختلفة ملتوية عما كان عليه معروفا عند السلف وخروجا عن ضوابط هذا التفسير وقواعده وأصوله التي اعتمدها أهل العلم جيلا بعد آخر عبر سنين هذه الأمة المباركة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل