نظرات في سورة الكهف - الحلقة 29

نظرات في سورة الكهف - الحلقة 29

د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴿٩٩﴾ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ﴿١٠٠﴾ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴿١٠١﴾ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ﴿١٠٢﴾ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿١٠٤﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴿١٠٥﴾ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ﴿١٠٦﴾)

نحن في خواتيم سورة الكهف التي جلّ آياتها في القَصص، حاولنا أن نأخذ نظرات سريعة في قَصصها وما يمكن استكناهه واستخراجه من عبر ومن دروس ومن عظات حاولنا جهد المُقِلّ لكن أسأل الله أن يجعل في القليل بركة وكثرة وخيراً ونماءً وعطاءً.

رأينا في منتهى قصة ذي القرنين كيف أنه قال لهم أن هذا السدّ ذو أجَل إذا جاء أجَل هذا السد بإذن ربي (جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) بأن ينتهي كل شيء في أجله. من هذا الخيط القرآن ربط موضوع القيامة ففهم الناس أن السد سيظل على يأجوج ومأجوج إلى يوم القيامة، وهذه طريقة القرآن في الربط ما بين الآيات وما بين الكلمات (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ (99)) (يومئذ) يوم القيامة. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) إذاً انتهى أجل الوجود لأنه يتكلم عن نهاية أجل سدّ إلا أن القرآن من هذا الخيط أخذ نهاية أجَل الكون كله والوجود كله (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ) أي يوم القيامة (يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) كالموج بشر (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) جمعت الخلائق كلها (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ (23) الفجر) جاءت جهنم، أين كانت؟
ولله المثل الأعلى، إذا القوى العظمى وضعت مخزونها الإستراتيجي من صواريخ في أنفاق تحت الأرض ثم بعد ذلك بالضغط على أزرار تخرج ولله المثل الأعلى كأن جهنم كانت مخفية بطريقة ما وأزيح الستار مثلاً، رفعت جهنم، جيء بها من مكان آخر، أياً كان، (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) رأوها مشاهدة ورأوها كالشاشة ورأوا جهنم عليها من باب التلويح بما سيكون عليه مصير الكافرين والظالمين والفاسقين والفاجرين والمعتدين والمستعبدين للشعوب والمستعمرين، هذا مصيركم يا من كنتم تهربون منها وتستهزئون بها وتستهزئون بالرسل الذين حذروكم منها ها قد جاءت وجاء أوانها.
(وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا)، (الَّذِينَ) الكافرين الذين (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي) العيون كانت مغطاة عن رؤية الحقائق ورؤية المستقبل، من فضل الله أن المؤمن بصره ممتد فيرى من الدنيا الآخرة، أتذكر الصحابي الذي قال: (والله يا رسول الله كأني أنظر عرش ربي بارزاً يوم القيامة وكأني أنظر أهل النار في النار يتضاغون- أو كما قال)؟.
إذاً ينبغي أن نرى من الآن الآخرة نضعها دائماً في بؤرة التركيز في بؤرة الذهن والتفكير ليست ملقاة في مستودع اللاشعور، لا، اِجعل الآخرة دائمًا على ذكر منك والموت على ذكر منك ليس من أجل أن نشلّ الحياة، لا، ولكن من أجل أن ترشد الحياة. استحضار الآخرة يرشِّد نشاط الإنسان في الدنيا، غياب الآخرة يفسد نشاط الإنسان في الدنيا، سيظلم يستعبد، ينهب الثروات، يقتل الأطفال، يشرد الشعوب لأن فكرة الآخرة غائبة عنه فيفجر (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6)). إذاً إستحضار الآخرة يمنع الفجور، غياب فكر الآخرة مجلبة للفجور!
(وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) كل ذلك قبل أن يدخلوها يروها لترويعهم وإدخال الصدمة والروْع على قلوبهم.
(الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) لا يستطيعون سمعاً يعني بالخِلقة؟ لا، لا يستطيعون سمعاً من شدة تعصبهم لواقعهم، من شدة إنغلاقهم وجمودهم على ذواتهم من شدة تحجرهم على موقفهم، ومن شدة تعصبهم لما كانوا عليه من دين آبائهم كانوا لا يستطيعون سمعاً وليس لأن الله خلقهم بأسماع معطلة، لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبلغ قريش بالقرآن العظيم والكتاب المبين وآيات الله عز وجل مع شدة الإنغلاق والتزمت والتعصب لما هم عليه لا يسمعون ولا يبصرون، رغم هذا الوجه المنير لرسول الله عليه عليه الصلاة والسلام، المنطق العظيم، الحجة، البرهان، الآيات الناصعات، كله، هم عينهم في غطاء والسمع في صمم فلا يسمعون ولا يبصرون.
(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ) الموضوع محوري في السورة موضوع الولاية – الولاء – (أفحسب) أيظن الذين كفروا ويحسبون أنه بإمكانهم أن يتخذوا بعض العباد من دون الله أولياء ويسلموا بلا عقوبة أو جزاء؟! إنهم يتوهمون، سيحاسبون على ولائهم (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ (71) الإسراء) اِعرف من إمامك ومن يسير أمامك في يوم القيامة ولا يوجد أحد مأمون أن تسير وراءه إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فالزم غرزه، إياك أن تحيد عن سنته ونهجه وعن الكتاب الذي بلغك، إياك، إياك!.
إذاً (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا) كلّمنا السياق العظيم عن جهنم التي أحاط سرادقها بالظالمين أعاد الآن الكلام عن (أعتدنا) مرت معنا، أعتدنا يعني أعددنا (جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا) منزل مقام مستديم لهؤلاء الكافرين.
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) القرآن يسأل في خواتيم هذه السورة سؤالًا عجيبًا ومثيرًا ومشوقًا جداً: هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً؟ الجواب طبعاً نعم نريد أن نعرف ليس فضولاً ولكن حتى لا نكون منهم ولنحذر أن نقاربهم، هذه آية خطيرة (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا).
ألم أقل أن هذه السورة مليئة بـ(أفعل التفضيل) (أحسن أعمالاً – أحصى لما لبثوا أمداً). هنا (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) ليس (الخاسرين) بل (الأخسرين) الجواب: نعم من هم يا رب؟
(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) سبحان الله! كلما أقرأ الآية الأمثلة والنماذج العملية تترى على الذهن فورًا، يعني نماذج كثيرة جداً مثلاً من قال أنا قمت بالحرب لأن الرب قال لي اِعمل حرب! متى قال لك؟! وكيف؟! ومن أنت حتى يقول لك؟! والله لو قالها مسلم لقالوا مهووس، مجنون، خرافي، أسطوري، لكن لو قالها واحد من الحضارة الغربية كلام عظمة ولا أحد يعلق، شيء عجيب!! الذي قتل عليًا رضي الله عنه يطعنه في صلاة الفجر وعليّ يؤم المصلين في صلاة الفجر (وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) الإسراء) يطعنه ويصرخ ويقول: فزت ورب الكعبة! قتلت خير البرية في زمانه ثم تقول فزت ورب الكعبة؟؟! هذا نوع من العمى تعمل أشر عمل وتظنه أحسن عمل أسأل الله السلامة لنا ولكم، انتبه! فكر الخوارج مثلاً يقولون نحن عباد وقيام ليل وتجد جبين الواحد منهم مثل ركبة الجمل من شدة السجود! يمرقون من الدين، المسألة ليست طول قيام وصيام وتلاوة وفهم منعدم!! الفهم، الفهم، الإخلاص، الإخلاص ربّ فهم منحرف مع عمل كثير يضيعه كله، الفهم السيء يفسد العمل.
(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)) يعني لا وزن لهم، لا وزن لأعمالهم، حبطت أعمالهم. حبوط العمل كما تأكل الدابة بعض أنواع النباتات السامة فتنتفخ تظن أنها سمنت، لا، هذا انتفاخ يسبق النفوق يعني هي الآن أقرب ما تكون إلى الموت ثم تموت. إذاً حبطت أعمالهم أعمال كثيرة تبدو في نظر العين لكنها كلها فاسدة وغير مقبولة.

http://trustartistic.com/view.php?file=natharat+alkahef+%2829%29


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل