علّمه البيان - سورة الكهف - 7

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

سورة الكهف – الجزء 7

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الخضر عليه السلام بدأ يبين ويكشف عن الألغاز التي حباه الله بها إلى موسى النبي عليه السلام الذي يقود أمة كاملة من بني إسرايل. فقال (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) قصة موسى مع الخضر كأنما الحياة الدنيا وكأنما الحياة الدنيا سفينة والسفينة هي الدنيا ثم ذكر الأبناء والإنسان لا يريد من الدنيا إلا الأبناء ثم المال وختم بالمال. فالدنيا سفينة والسفينة هي الحياة وأجمل ما في الحياة البنون والمال (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩﴾ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿٨٠﴾) ولم يقل والدين لأن لفظ الأب يطلق على الشاب الصغير من الأبوين أما إذا قيل له الوالد فقد بلغ من الكبر عتيًا. حينما تخاطب أباك وهو لا يزال شابًا تقول أبي أما إذا بدأ ينحني وكبر سنّه تقول والدي وقد جاء في القرآن (وبالوالدين احسانا) وإبراهيم حين خاطب أباه وهو لا يزال بصحة جيدة قال (يا أبت) ولم يقل يا والدي بدليل أنه كان قويا فقال في آخر الكلام (لأرجمنّك) وهذا يدل على قوته والقرآن يعطي الألفاظ الدقيقة.

(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿٨٠﴾ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴿٨١﴾ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿٨٢﴾)

الإرادة هاهنا تنقسم في القرآن إلى خمسة أقسام: إرادة بلاء وإرادة عطاء وإرادة نقاء وإرادة رجاء وإرادة دعاء.

إرادة بلاء: وهي قوله تعالى (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴿١٦﴾) أمرنا مترفيها أمرناهم بالصلاح، الكلام فيه ضمير، أمرنا مترفيها فالذي يأخذ الكلام على ظاهره يحسب أن الله أمرهم بالشر (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)[الأعراف:28] هنا ضمير ولذلك قالوا: لولا الضمير لعرف النحو الحمير. من أخطر ما هو موجود في التنزيل، الضمير. (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) أي بالصلاح ففسقوا فيها، هذه إرادة بلاء.

إرادة دعاء: وهي التي قالها هابيل دعا على أخيه لما أراد قتله قال (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴿٢٩﴾ المائدة)

إرادة رجاء: هي التي صدرت من العبد الصالح (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴿٨١﴾) أردنا أي رجونا.

إرادة عطاء: هي التي جاءت في التنزيل على عامة المؤمنين (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ)[النساء:28] (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)[البقرة: 185] إرادة عطاء

إرادة نقاء: فهي خاصة بأزواج المصطفى صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴿٣٣﴾ الأحزاب)

إذن فالإرادة لا تخرج عن خمس: إرادة بلاء وإرادة عطاء وإرادة نقاء وإرادة رجاء وإرادة دعاء.

الخضر عليه السلام قال (فأردنا) أي رَجَوْنا (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴿٨١﴾) وكأن الخالق جلّ شأنه يريد أن ينجي هذا الغلام القتيل الذي قتل في صباه ويدخله الجنة وأن يرزقهما غلاما آخر فيكون صالحا فيدخله الجنة فلا يحرم الله هذين الأبوين من أبنائهما: القتيل دخل الجنة شهيدا قبل الحُلُم والذي رزق كان صالحا فدخل الجنة، فلا تطلع الشمس ولا تغيب إلا لشيء أمره عجيب.

(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) في الأبوين جاء ذكر الغلامين: الغلام القتيل والغلام الذي كان صالح وهاهنا جاء بنفس الترتيب (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) في الأول في بداية القصة قال (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) سميت قرية لكن هاهنا أصبحت مدينة. علماء اللغة لا يفرقون بين القرية والمدينة، فقالوا القرية قد يطلق عليها المدينة والمدينة قد يطلق عليها القرية ولكن في البلاغة والبيان – لأنها تناقش الأمور التي هي أعلى - قالوا لا، لا يمكن أن القرآن يذكر قرية ثم يحولها إلى مدينة إلا لسر والسر هناهنا لأنها سميت مدينة بعد الكنز، قبل الكنز كانت قرية صغيرة فلما اكنتشف الكنز الناس بدأوا يفكرون في توسع العمران، في مخططات، أراضي وبناء ويحفرون الآبار وإذا كثر الماء دبت الحياة وكثرت الماشية إذن فهنا لا يصلح أن نقول فيها قرية وإنما نقول فيها مدينة.

(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) صلاح الأب هنا الجدّ السابع لكن صلاح الأب قد ينتفع به الأبناء والأحفاد، فإن الجد إذا كان صالحا فإنه يخلّد الصلاح في آثاره، في أبنائه وأحفاده والجيل الجديد.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل