علّمه البيان - سورة الكهف - 6

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

سورة الكهف – الجزء 6

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

لا زلنا في قصة موسى عليه السلام مع الخضر فلما أنهى الخضر دوره مع موسى قال (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) والنبأ هو الخبر عن ما هو آت.

(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) والمساكين هاهنا لا يراد بهم الفقراء لأن المسكين الذي سكن عضو منه عن الحركة وقد يكون غنياً لو كان هؤلاء فقراء لما كانوا يمتلكون سفينة، المسكين قد يكون غنيا لغة والفقير من افتقر وقد جاء في القرآن (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٦٠﴾ التوبة) إن كانوا فقراء فجعل الشرط الفقر وذكر الأصناف التي ستأتي (لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ) هؤلاء الذين ذكروا كلهم لا بد أن يتحقق فيهم شرط الافتقار إنما الصدقات للفقراء والمساكين إن كانوا فقراء وذي القربى إن كانوا فقراء، فنحن نتحرى لا بد أن يكون فقيرا يفتقر إلى المال أما المسكين فقد يكون غنيا وقد قدّم الله المسكين في الطعام لو طلب الغني الطعام يُعطى لكن لو طلب المال نتحرى هل هو فقير؟ (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ الإنسان) المسكين الذي سكنت يده عن الحركة لطلب الطعام أو من طلب منك ماء لا تسأله هل عندك ماء أو ما عندك لكن الذي طلب المال، فهنا قال السفينة لمساكين، أغنياء من ناحية المال لكن مساكين من ناحية العمل في البحر، يعملون في البحر، عمّال.

(قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨﴾ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩﴾) وراءهم بمعنى أمامهم وهذه كلمة قبطية قديمة، يعبّرون عن (أمام) بـ(وراء) وهذه من العجميات التي دخلت المطبخ العربي وطبخت وخرجت لسانًا عربيا، كلمات أعجمية في القرآن ونُظم فيها الكثير، كل ما هو أعجمي في القرآن دخل المطبخ العرب وطبخ ثم خرج لسانا ولذلك نقول القرآن لسان عربي لا نقول لغة عربية، القرآن الكريم ما جاء بلفظ اللغة أبدًا وإنما حينما يذكر ويتحدى (وَهَٰذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴿١٢ الأحقاف﴾) (وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴿١٠٣ النحل﴾) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴿١٩٥ الشعراء﴾) لأن العربية لسان. أما العربية من حيث القواعد لا تفيد، لأن علم اللغة يتكون من الصرف والنحو وعلم اللغة، فالصرف يناقش أول الكلمات أما النحو فهو الذي له شأن الحرف الأخير من الجر والضم والنصب أما إذا ضممت الكلمة إلى أختها فهذا يسمى شأن علم اللغة، إذا أردت أن تستخرج من الكلام معاني فهذا علم الأدب، إذا أردت أن تفيد السامع بقولك وأن يكون كلامك مطابقًا لمقتضى الحال فهذا علم البلاغة، ولذلك فإن علماء البلاغة نظروا إلى المعنى فجاء علم اسمه علم المعاني ونظروا إلى مبنى الكلام فجاء علم البيان ثم نظروا إلى التحسين فيهما فجاء علم البديع والقدامى كانوا يسمونه علم المحسنات إلى أن جاء المتأخرون فأسموه علم البديع. وقد ذكر ذلك المتأخرون في هذا العلم وخاصة المتخصصون في هذا العلم الذي هو علم التنزيل علم يستخرج من القرآن ما يتناسب مع المعاصِر وهو علم البلاغة، وكان أول من تكلم في هذا الشأن هو أبو عبيدة معمر بن المثنى لما استضافه الفضل بن الربيع إلى بغداد وكان عالم البصرة وسيدها ذهب به إلى قصر الخلافة وعرّف به في دار الخلافة فسأله سائل قال: يا أبا عبيدة نقرأ قوله تعالى (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴿٦٥ الصافات﴾) جاء التشبيه بالمجهول والعرب لم تر الشياطين فكيف نفهم هذا؟ فقال له يا هذا إن الله أنزل كتابه على لسان العرب وكلامهم أما سمعت امرأ القيس وهو يقول لرجل كان يهدده:

أتهددني والمشرفيّ مضاجعي ومستنّة زرق كأنياب أغوال

(المشرفيّ من أسماء السياف، ومستنّة وهي الرماح وجاءت بلفظ ومسنونةٌ ومسنونةٍ)

العرب لم تر الغول حتى لما جاء الله تعالى في كتابه بهذه المشبهات شبه برؤوس الشياطين حتى يذهب ظنك كل مذهب حينما يخوفك إنسان بشيء مجهول فيذهب ظنك كل مذهب في الخوف وحينما يبشرك بشيء مجهول فإن ظنك يذهب كل مذهب في الخير تقول ترى ماذا ستكون هذه الجائزة؟! وقد جاء القرآن بهذا التشبيه (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴿٤٩ الصافات﴾) (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴿٥٨ الرحمن﴾) لم يقل هنّ الياقوت والمرجان وإنما (كأنهنّ) تشبيه لا نستطيع أن نميزه، وقال (لا تعلم نفس ما أخفي لهم  أعين) وهذا أبلغ، القرآن الكريم جاء بالتشبيه والمجاز وهذا من ألوان البيان وأول لون من ألوان البيان التشبيه والكلام فيه يطول.

قال الخضر لموسى (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ) أي أمامهم (مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا). (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) نسب العيب لنفسه تأدبا مع الله مع أن الذي أمره أن يعيب هو الله فنسبه لنفسه وفي الغلام قال أردنا وفي الجدار قال فأراد ربك. (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨﴾ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) ونسبة العيب للخضر عليه السلام قد جاء عن إبراهيم لما ذكر المرض قال (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿٨٠ الشعراء﴾) نسب المرض لنفسه مع أن الذي يكتب المرض هو الله لكن إبراهيم لأدبه الراقي قال (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) والخضر قال (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) وهذا في القرآن كثير فرب العالمين يضع الخير مع اسمه ويحذف اسمه مع الشر (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴿١٧ الكهف﴾) (من يهد الله) أضاف الهداية لاسمه ولم يذكر اسمه مع الضلال (ومن يُضلل).

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل