تفسير كلمة (هدى) في القرآن - د. محمد هداية

تفسير كلمة (هدى) في القرآن - د. محمد هداية

وقفة على غاية عظمى في التفسير لمعرفة لغة القرآن، و اختلافها عن اللغة العربية:
كلمة " هدىً"
في أوائل سورة البقرة: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ }
و في آيات الصيام { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } كلمة " هدىً" في هاتين الآيتين يختلف مدلولها باختلاف توقيعها

في مطلع سورة البقرة نسمع { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } وفي آيات الصيام نسمع { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }

لدينا { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } و { هُدًى لِلنَّاسِ } و { وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } الكلمة واحدة لكن المعنى يختلف لأن هذه لغة القرآن، و لغة القرآن أشمل و أعم من اللغة العربية و فيها الإعجاز البياني و اللغوي ما يفوق حد التصور عند أحسن المتأملين.

لما كان القرآن قرآنا ينزل على محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ آيات متفرقة منجمة وفق الأحداث كانت هدايته لكل الناس فلما اكتمل القرآن و أصبح القرآن كتابا أوقف الله تبارك و تعالي هدايته على المتقين { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ }
الفرق بين هداية الكتاب و هداية القرآن في مدلول الهدى يختلف بتوقيع المتلقي للكتاب و للقرآن، اللغة العربية تعلمنا انفكاك الجهة في اللفظ

في الآية يقول الله الحق تبارك و تعالى لرسوله ـ صلي الله عليه و سلم ـ { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ } في هذه الآية ينفي الله تبارك و تعالى عن رسوله الهدى، فالهادي في هذه الآية الله و لا هداية لرسوله في هذا المعنى
لكنه يعود الله سبحانه و تعالى في محكم التنزيل أيضا و يقول لرسوله: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } هنا يقف المؤمن هل يهدي الرسول أم لا يهدي و لماذا أتبت القرآن له الهدى بعد أن نفى عنه الهدى نقول الجهة منفكة في كنه الهدى

نتذكر جميعا قول الله تبارك و تعالي: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } هل "رمى" الرسول أم "لم يرم" ؟
هنا لدينا انفكاك الجهة في "الرمي"، و لازم المعنى لهذه الآية في هذا التركيب اللغوي هو أن هنا الرسول ـ صلي الله عليه و سلم ـ رمى و لكن رميته لم تكن لتصل لغالبية جيش العدو هذا مستحيلا في المتصور لولا تدخل الله الحق و فضله تبارك و تعالى ليوصلها إلي الكل، يعني الله سبحانه و تعالى ينفي قوة رمية الرسول أن تصل إلى غالبية الجيش كأن الذي ألقى هو محمد ـ صلي الله عليه و سلم ـ و لكن الذي رمى هو الله هذا يسمى انفكاك الجهة في الكلمة " رمى " و " لم يرم "

كذلك الهدى مرة قال: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي } و مرة قال: { و إِنَّكَ لَتَهْدِي } فالهدى في انفكاك الجهة في الكلمة نوعان: من جهة "هدى الدلالة" و من جهة أخرى "هدى المعونة" مثلا لو سألت إنسانا عن عنوان ما، فإذا دلك على الطريق فهذه تسمى "هداية دلالة" و لكن لو أخذ بيدك إلى المكان فهذه تسمى "هداية معونة"، فهداية الكتاب و هداية الرسول هداية دلالة، لكن هداية المعونة بالتوقيع الإيماني و التقوى و الإحسان و الوصول إلى إسلام لوجه الله و الوصول إلى جنة الخلد و إلي جنة النعيم رغم أن هداية الرسول مثبتة و هداية الكتاب مثبتة إلا أن الهداية أن أكون داخل الجنة إن شاء الله يوم القيامة عبر طريق طويل من إيمان و تقوى و الإحسان و إسلام لوجه الله ... يكون بهداية الله تبارك و تعالى.

إذن { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } و { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ } هذه "هداية دلالة"
و أما قول أهل الجنة داخل الجنة { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } فهذه "هداية معونة"

إذن هداية الرسول و هداية الكتاب للدلالة أما هداية الله تبارك و تعالى للمعونة لعون الإنسان على الفعل و العمل و الخروج من المعاصى إلى الحسنات و الوقوف عند حد الإسلام الحق و التقوى الحق و الإحسان الحق...
فالمؤمن الحق علم بأن رغم هداية الكتاب و هداية الرسول لولا هداية الله تبارك و تعالى لما كانت الجنة فالفرق كبير بين هداية الكتاب و هداية الرسول مع هداية الله تبارك و تعالى

الدكتور محمد هداية
تفسير هداية الحلقة 7

http://www.facebook.com/groups/hedayalovers/



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل