علّمه البيان - سورة الكهف - 5

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

سورة الكهف – الجزء 5

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

لا زلنا في قصة موسى مع الخضر فلما بلغ موسى عليه السلام الخضر (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴿٦٥﴾ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦٦﴾) وكان الشرط الأساسي في التعليم، إذا أراد الإنسان أن يتعلّم أن يكون متبعًا لأستاذه والاتباع يكون فيه الأدب وحسن الأخلاق. فقال له الخضر (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٦٧﴾) لم يقل إنك لن تستطيع صبرًا وإنما قال (لن تستطيع معي) لأن هناك أمور ستطرأ أنا نفسي لا أعلمها، فقال موسى (قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴿٦٩﴾) كان على موسى أن يقول: ستجدني من الصابرين، لأن ملك الصبر هو أيوب عليه السلام (إنا وجدناه صابرا) فأراد موسى أن ينفرد بالصبر فرسب في السفينة بينما إسماعيل لما قال له إبراهيم (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) قال (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿١٠٢﴾ الصافات) فنجح في الاختبار لأنه تواضع، لأن الأنبياء في الصبر كلهم عيال على أيوب فلما قال موسى ستجدني إن شاء الله صابرًا رسب في أول اختبار وهي السفينة.

(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿٧١﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٢﴾ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴿٧٣﴾ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴿٧٤﴾)

(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا) وفي قرآءة (أخرّقتها) (لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿٧١﴾) قال له الخضر (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٢﴾ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴿٧٣﴾ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ) فغيّر الخضر غيّر له اللغز لأن قصة موسى مع الخضر إنما هي ألغاز وقد استعمل الخالق فيها (تسطع) لأن (تسطع) في الأذهان و(تستطع) في الأبدان. (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴿٧٤﴾) وقرت (نفسا زاكية بغير نفس) فأنكر عليه هاهنا في هذا المقام فلذلك قال له الخضر (ألم أقل لك) في الأولى قال (ألم أقل) وهنا أضاف (لك) (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٥﴾) فقال له موسى (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ﴿٧٦﴾) فعلم موسى أن المسألة أكبر وأعظم وكان من قبل قد قال لم يكن هناك من هو أعلم مني فدخل على علم غريب لم يعرف عنه شيئًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم لو صبر أخي موسى لرأينا العجب لكنه لم يصبر ووقف في الثلاث. وكأن سورة الكهف ما خرجت عن ثلاث: السفينة، الغلام، الجدار، وحدث ذو القرنين كان كذلك في ثلاث. فغيّر الخضر اللغز من شدة إلى رحمة، في الأول بدأ بالسفينة فلما كوّن موسى المحتاط على أنه ما من شيء قام به الخضر من حجم كبير من خرق سفينة من هدّ جبل، من هدم بيت، لا يتكلم أبدًا لكن الخضر حوّل له اللغز من حجم كبير إلى جسم صغير فقتل الغلام فلم تكن هذه على بال موسى فأخذ موسى بعد هذا على أن ما من عنف صغر حجمه أو كبر إلا ويكون موسى ساكتا لا يتكلم أبدًا فحوّل له الخضر من العنف مهما كان شكله إلى الرحمة. (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ) فموسى اتبع الخضر يستفاد من القصة أن موسى مع أنه يجادل الخضر فقد تأثر باتباعه لأنه بأ الخضر بالعنف فأصبح موسى بعد أن كان رحيمًا أصبح عنيفًا فلما حوّل الخضر معاملته من العنف إلى الرحمة فأصبح موسى عنيفًا فقال (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) هؤلاء طلبنا منهم طعاما فأبوا فكان عليك أن تطلب منهم أجرا قبل أن نشتغل بهذا الجدار فقال له الخضر (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) إذن هذا اللغز تبع للألغاز الأولى لذلك قال له الخضر (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨﴾) ثم بدأ الخضر يبين له هذه الأسرار التي عُلمها من لدن الله سبحانه وتعالى (اتقوا الله ويعلّمكم الله) ونستنتج من هذا على أنه ما من علم يقوم به الإنسان بجهد منه لا يكفي لكن العلم الذي يأتي من الله هو الذي يحمل البركة ويحمل العلم والخير لأن الله تعالى إن أراد أن يهدي على يديك مخلوقات أو إنسانًا فإنه يجعل الفكرة التي تكون سببًا في الهداية منه مستلهمة فأنت لست إلا ناقل تنقلها إلى من تصل إليه وتنفعه فمن ثمّ نحن نرد الهداية إلى الله (الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) ونجرّد بني البشر من أي هداية لا سبب لأحد لأن الذي يدفع الأسباب والذي يهيئ الأسباب هو سبحانه وتعالى. الأنبياء يهدون الناس لكنهم أسباب وهو الذي أوجدهم ويسّرهم حتى الأسباب لا علاقة لها بالهداية إذ أن الأصل في الهداية لله رب العالمين وأراد الله تعالى لا يجعلنا من المتواكلين فأراد أن نتكئ على الأسباب وأراد أن نعتمد على الله تبارك وتعالى في كل أمورنا. فموسى لما شرُف على النهاية من هذه الألغاز قال له الخضر (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨﴾) وفي الحديث لو أن أخي موسى صبر لرأينا العجب من هذه العلوم الغريبة التي أفاضها الله تبارك وتعالى على الخضر وما نال الخضر النعمة والفضل إلا بهذه الحادثة التي وقعت له مع موسى عليه السلام فبدأ الخضر يعلمه ويبين له اسباب هذه الألغاز التي تعلمها موسى من جديد.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل