نظرات في سورة الكهف - الحلقة 25

نظرات في سورة الكهف - الحلقة 25

د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الحلقة 25
(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩﴾ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿٨٠﴾ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴿٨١﴾ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿٨٢﴾ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٨٣﴾)

في الحلقة الماضية كانت نهاية قصة موسى والعبد الصالح في سورة الكهف، هذه السورة العظيمة ذات المعاني والمغازي والمرامي البعيدة وحاولنا أن نأخذ من هذه المعاني العديدة غَرفة باليد. فسّر العبد الصالح لأخيه العبد الصالح موسى الغرائب التي كان يستهجنها ويستنكرها وإذا هي بالتفسير منطقية جدًا ومفهومة جدًا، بالعكس بل هي عمل صالح جدًا وإن كان في البداية في رأي العين في ظاهر الأشياء أمرًا مهولا مزعجا مخوفا مقلقا مربكا منكرا. آخر شيء فسّر له موضوع الجدار الذي بناه، وإذ بالجدار – نحن نقول مسألة لا تستحق الذكر – وإذ بها ذات أبعاد هائلة! (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) وصف الحاضر (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا) هذا مخزون من الماضي (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) عدنا في الزمن السحيق (فَأَرَادَ رَبُّكَ) يتكلم في المطلق (أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) المستقبل (وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) إذن هؤلاء محوطون بعناية الله لصلاح الآباء، وإذ بصلاح الآباء يسري أثره ومفعوله ونفعه وخيره وبرّه إلى الأبناء. 
(ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) تستطع وتسطع، أول ما بدأ التفسير قال له (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) والأمور شاقة وصعبة عليه قال له (تَسْتَطِعْ) وبعدما فسّرها له قال (تَسْطِعْ). (تَسْتَطِعْ) لما فسّر له عبّر بالكلمة المفيدة للبطء مناسبة، أما وقد انتهى من التفسير فكل واحد في سبيل وكل واحد يسير في طريقه (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).
نأخذ من هذه القصة معاني ودروس وعبر، نحاول أن نأخذ قبسة وزهرة من بستان هذه القصة. 
1. أولًا الحياة إرادة ولا بد من أن نعقد إرادتنا على شيء وليكن هذا الشيء ساميًا عاليًا ممتدًا إلى الآخرة، إلى مرضاة الله عز وجل، لا نجعل إرادتنا كلها مرهونة في الدنيا، الشقة، والبيت، أمور كلها عاجلة، كلها هواء، كلها سراب، لا نقول اترك الدنيا واهملها ولكن لا نجعلها أكبر همنا وشغلنا الشاغل. إذن الإرادة، الحياة كلها تحتاج إلى إرادة ومن أجمل ما نعقد عليه الإرادات: طلب العلم، التصميم. 
2. أمر آخر: التواضع في طلب العلم، لا يمكن طلب العلم مع الكبر (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦٦﴾) 
3. ثالثًا: الرشد من أعلى المطالب وأعلى وظائف العقل: الرشد، وقلنا أن الأمة ينقصها الرشد. وهذه السورة العظيمة تعطينا لفتة لهذا الأمر الذي ينقص الأمة الآن في هذا الزمن (الرشد).
أيضًا في قصة موسى والعبد الصالح كثير من الأمور التي ظاهرها مستهجن مستنكر مستغرب وإذ بها عندما تتجلى الحكم كم لله عز وجل في هذه المشقات والشدائد كم له فيها من رحمات ومن أيدي. يعني حديث الإفك ثقيل جدًا لكنه الآن لما صار جزءًا من الذكريات وما اكتسبناه من خبرات بمثل هذه الافتراءات بوجود منافقين يشوشوا داخل الصفّ يعطوا الصفّ مناعة، تطعّم الولد فيبقى يومين يبكي، وعليه حرارة ولا يطيق الحليب ولا غيره، التطعيم أذاه يومين ولكنه أعطاه حصانة طول عمره. انتبه، كثير من الأشياء التي ظواهرها سيئة بواطنها عميقة الخير مكتنزة بالحِكَم العالية. وقلنا أن قتل الغلام لا يكون إلا بوحي إذن العبد الصالح نبي فكأنه نبي يتعلم من نبي ولا يُتصور ولا يعقل أن يكون وليّا بمجرد إلهام يقتل الغلام بمجرد إلهام، هذا كلام لا يستقيم على منهج الله عز وجل. 
وفيها رسالة إلى بني إسرائيل (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) القصة التي نتكلم عنها قدّم لها القرآن بقصة موسى والعبد الصالح، ما الرسالة؟ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) مفتاح القصة في (يسألونك). من هم الذين يسألونك يا محمد؟ العرب، صحيح، لكن من لقّن العرب؟! هل لا بد للعرب من ملقنين؟ نعم، لأن العرب ليس لهم معلومات عن ذي القرنين، فالعربي من أين له أن يسأل عن ذي القرنين؟ فلا بد له إذن من ملقنين مثل الممثلين في المسرح لهم ملقنين يلقنونهم، العربي هو البارز في المسرح: قل لي يا محمد هل عندك معلومات عن رجل طوّاف في المشارق والمغارب يدعى ذو القرنين؟ فقلنا للعربي تنحى جانبًا، لن نكلمك أنت، أنت صبيّ المعلّم، سنتكلم مع المعلّم نفسه! جاء بقصة موسى والعبد الصالح بين يدي قصة ذي القرنين فافهم يا من تلقّن العربي (الكلام للجارة واسمعي يا كنّة!)
إذن القرآن كأنه بالكناية وبالرمز يقول لهم إذا كنتم تتعالمون على أعلم وأعظم أنبيائي فها إن أعظم أنبيائكم يتعلم على يد عبد أنا لم أسمّه!
هذه بعض دروس قصة موسى والعبد الصالح. 
دخلنا الآن في قصة تحتاج إلى كتاب، وهي موجود فيها ليس كتابًا واحدًا فقط ولا اثنان ولا ثلاثة ولا أربعة في قصة ذي القرنين وكلها كتب جيدة لكن من أجودها وعمقًا علميًا وبحثًا كتاب: "ويسألونك عن ذي القرنين" لمولانا العلامة وزير التعليم والثقافة في الهند أبو الكلام أزاد رحمة الله عليه بعنوان بنفس نصّ الآية (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ). وهناك غيره مثل كتاب "ذو القرنين" لمحمد خير رمضان وغيره، هناك حوالي أربع خمس كتب في هذا الرجل الصالح. ذو القرنين حاول بعض المتطاولين على علم التفسير أن يقول أن القرآن فيه تناقض مع الواقع التاريخي، قلنا: كيف؟ قال: القرآن يثني على ذي القرنين بأنه كان حاكمًا صالحًا علمًا بأن الاسكندر المقدوني ابن فيليب ذو القرنين رجل طالح لا صالح. فقلنا له أنت قوّلت القرآن يا مفتري! أولًا القرآن لم يقل أن ذا القرنين هو الاسكندر المقدوني، إذا قاله الرازي أو غيره فالرازي غير مسؤول ولا يمثّل القرآن الكريم! لا آخذ كلامًا نقله المفسرون لا ندري من أي مصدر ونحاسب القرآن، معاذ الله! هذه إحدى مصائب النقل عمن هبّ ودبّ من الرواة والإسرائيليات وغيره!
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) مفتاح القضية إذن: من السائلون؟ اليهود لأن العربي ليس عنده معلومات تاريخية ولا عنده ثقافة التي تمكنه من هذه المعلومة. إذن السائل في الواجهة هم العرب ولكن وراء العرب اليهود تمامًا مثل مسرح الدمى تحرّك بخيوط! إذن مفتاح الكلام كلمة (وَيَسْأَلُونَكَ). لماذا يسأل اليهود عن ذي القرنين؟ هذا يعطينا مؤشرًا من يكون ذو القرنين؟ فلا بد أن عندهم به اهتمام شديد، لا بد وأن له في تاريخهم حضور، ميزة، فضل عليهم، إحسان إليهم؟ لا ندري، ولذلك سألوا عنه فهي ليست مجرد معلومات، فحص معلومات، فحص ذكاء، قرآءات، لا، إنما محاولة في نفس الوقت الذي أسأل فيه الذي أمامي أستعرض عضلاتي ومخزوني وأفهامي ومفهوماتي فأقول له: إن كنت أنت ملكت المدينة المنورة فنحن منا واحد ملك المشارق والمغارب كما تقول الكتب أنه قورش الفارسي تهوّد وملك المشارق والمغارب وهذه وجهة نظر أبو الكلام آزاد وأنا أحترم وجهته لأن في كتابه منهجية صارمة علمية تُحترم وليس كلامًا إنشائيًا من دماغه!، لا، الرجل طاف وقرأ بحوث ألمان، وعلماء آثار وتاريخ من هيرودوتس، وبعد كل هذه الحصيلة خرج بكتابه "ويسألونك عن ذي القرنين".

http://trustartistic.com/view.php?file=natharat+alkahef+%2825%29


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل