نظرات في سورة الكهف - الحلقة 24

نظرات في سورة الكهف - الحلقة 24

د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(توضيح: الحلقة 22 و23 لم يتم تفريغهما لعدم وجود رابط لهما على الانترنت فمن كانت لديه الحلقات أرجو التكرم بإرسالهما لي ليتم تفريغها وإلحاقها بألبوم الحلقات لتعم الفائدة إن شاء الله)

الحلقة 24
كنا مندهشين من هذه الرحلة العجيبة: معلِّم في دورة تعليمية، رسول يتعلم على يدي رسول، هذا مشهور جداً وهذا مغمور جداً لا يكاد يعرفه أحد ولم يسمه القرآن، في أي قوم؟ لا نعرف. القرآن يعطينا من الأحداث ومن الوقائع ومن القصص من السرد بمقدار ما يؤدي الحاجة والغرض والقصد من هذه القصة لسنا باحثين عن أسماء وأمكنة وتفصيلات وكم يوم استمرت الرحلة؟ وكم مشى هو والعبد الصالح؟كل هذا لا يعنينا الذي يعنينا أن الله تعالى أجرى هذه الخوارق الثلاث أخذ فيها موسى دورة على الصبر ثم قفل راجعاً إلى بلده بعدما أخذ هذا المعنى. أخذ معنى عظيماً في التحمل والاصطبار وعدم الاستجابة لظواهر الأمور وأن تعلم أن وراء الظواهر السيئة ربما تكون بواطن خيّرة جداً. القصة تماماً تمثل القدر والبشر كثيراً ما نُصطدم بأشياء مرعبة مفجعة مفزعة مؤلمة ولكن إذا مددت بصرك بعيداً ربما تكون هذه مولّدة نهضة ربما تكون انبعاث حضاري بعد ليل طويل وسبات ورقاد طويل من الهجوع الموات تأتي صدمات توقظ الأمم من سباتها أو من موات وما ظاهره شر قد تكون بواطنه خير كما سنرى في تفسير العبد الصالح لموسى عليهما الصلاة والسلام.

(قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(78)) من أثقل في النطق؟ تستطع أو تسطع؟ تستطع أثقل لأن اجتماع التاء والطاء من نفس المخرج يولّد ثقلاً المخارج متقاربة اجتماعهما مع بعض ثقيل. (تستطع) الأمر عليك الآن ثقيل لأنه غير مفسّرأي شيء غير مفسّر ثقيل على العقل والقلب والمشاعر والوجدان والنفس ثم لما تفهمه يصبح سهلاً. 
(أَمَّا السَّفِينَةُ) العبد الصالح يشوّق موسى عليه السلام أولاً إلى أن يستجيش طاقاته كلها تطلعاً للمعرفة ثم يعطيه المعلومة وقد تطلع لمعرفتها بلهفة شديدة. 
(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) مساكين يعني أحرى أن أحافظ على سفينتهم (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) التفاسير تقول وراءهم أي أمامهم لكن القرآن يقول وراءهم يعني وراءهم، يطاردهم مطاردة. (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ) قائد أو ملك تستخدم الكلمة في المعنيين (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) هذا في الخبرات العسكرية يقال للجند إذا كنت مضطراً أن تترك مدفعاً أو دبابة أو غيره لا محيد عن تركها دمّرها ولا تتركها صالحة للعدو، هذه من أبسط مبادئ العسكرية فالعبد الصالح طبّق هذه المبادئ. الملك كان يأخذ السفن الصالحة إما أنه ملك أو قرصان ياخذ السفن يحتجزها أو يأخذها لمجهود حربي لا نعلم. ياخذ كل سفينة غصباً فلما أنا أعيب السفينة أكون قد أنجيتها إذن ما ظاهره شر لما كشفنا الغطاء وإذ باطنه محض خير وإن كان الظاهر محض شر.

(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) هل لأن أبواه مؤمنين أعاقبهم على إيمانهم بقتل أحد أبنائهم؟! تشويق. التفسير (فخشينا) يفسّر بعد أن يوصلك إلى قمة الانفعال والتطلع إلى المعرفة. هذا القرآن آيات للسائلين المتطلعين إلى المعرفة. نريد من يتطلع إلى المعرفة تطلعاً ويشرئب إليها ويتشوف وعنده همة في تحصيل المعرفة ولا عجب أن أول كلمة في ديننا نحن المسلمون (اقرأ) هذه الكلمة تكون أول الوحي هذه بحد ذاتها معجزة!. 
(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) هذا في علم الله عز وجل أن الولد سيكون شقياً والله تعالى أمر العبد الصالح أن يقتله، أليس ملك الموت يقبض الأرواح ويُنهي الحياة؟ بلى، فالآن هذا العبد الصالح كأنه يقوم لمرة واحدة بمهمة ملك الموت بأمر من الخالق سبحانه فلم الاستغراب؟! وهذا لا يكون إلا بوحي وهذا ما يدفعنا للاعتقاد أن العبد الصالح نبي وليس مجرد وليّ كما تزعم بعض التفاسير. لا يحق لأحد أن يقتل نفساً إلا بنصّ وما دام وحياً فهو من الله. 
(فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) رب العالمين أراد أن يهبهم غلاماً أصلح منه وأهدى وأحن عليهما من هذا الولد الشقي الذي كانا سيشقيان به فأراد رب العالمين أن يبدلهما خيراً منه زكاة أطهر، وأقرب رحماً أي ودود بارٌّ أما هذا فسيكون عاقاً مؤذياً ونعرف حكايات وقضايا عن أولاد جابوا لأهلهم العار وخراب الديار وحرج أمام الناس بشكل لا يوصف وقد يكون عدواً كما قال القرآن فقد يكون الولد عدواً والمال عدواً والزوجة عدو نسأل الله السلامة والعافية.
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) تشويق (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا) لما بنيت الجدار راح الكنز (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) ما أجمل القرآن وطريقته، كيف امتدادات الحدث الذي يبدو جرماً صغيراً وإذ بالحدث له امتدادات هائلة وأبعاد وأغمار وأعماق كنا نعتقد أنه جدار والسلام! 
(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) إذن المسألة ليست مجرد جدار كان سينقضّ فأقمناه، المسألة لها أبعاد على وسع الكون في الزمان والمكان والأباء وإرادة الله، هكذا يقص القرآن قصصه وهكذا يختار من وقائع التاريخ هذه القبسة من الوقائع الرائعة في قصص هذا الكتاب المجيد الذي من درره سورة الكهف وقصص سورة الكهف.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل