فروق دلالية: دمدم - دَمَّر ـ مَحَقَ ـ مَحَا ـ أهلك

الفروق الدلالية في معاني: دَمْدَم ـ دَمَّر ـ مَحَقَ ـ مَحَا ـ أهلك

معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم

د. محمد داوود

• الدَّمْدمَة فى اللغة: الغشيان والتغطية، يقال: دَمَّ الثوب إذا طلاه بصبغٍ، ودَمْدَمَ الشىءَ: ألصقه بالأرض وطحنَه، ومن هذا المعنى الدَّمْدمَة، وهى إطباق العذاب والهلاك، كأنه يغشاهم ويطبق عليهم[1].
• والتدمير فى اللغة: الدَّفن، يقال: دَمَّرَ السَّيْلُ المكانَ، أى دفنه وأذهب أثره، والتدمير: الاستئصال والإهلاك[2].
• والمحق فى اللغة: النقصان، يقال: مَحَقَ الشَّىْءُ: أى نقص وذهبت بركته. ونَصْلٌ مَحِيقٌ: أى مُحَدَّد مُرَقَّق. ومحاق الهلال: ذهاب نوره. ومحق المال: هلاكه. ومَحَقَهُ الله: أبطله حتى لا يبقى منه شىء[3].
• والمحو فى اللغة: الذهاب بالشىء، يقال: مَحَا الشىءَ يمحوه مَحْوًا ومَحْيًا: أذهب أثره[4].
• والهلاك فى اللغة: السقوط، ومنه الهَلَكُ، وهو المَهْوَى بين الجبلين، ومن هذا المعنى أُخِذ الهلاك بمعنى الموت، وبمعنى الذهاب[5].
وفيما يلى عرض لهذه الألفاظ وسياقاتها فى القرآن الكريم:

• دمدم:
ورد هذا اللفظ فى القرآن الكريم مرةً واحدة، فى قول الله عز وجل:
- {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَاالشمس/14.
أى: أطبق عليهم العذاب، وأصل "دَمْدَم": دَمَّمَ، يقال: دَمَّمَ عليه القَبْرَ، أى أطبقه، وتكرار الدال والميم للمبالغة كما فى "كبكب"[5].
فالدمدمة إذن: عذاب مضاعف، فيه إطباق ومبالغة فى الشدة والتضييق، وفيه ملمح التكرار.

• دمَّر:
ورد هذا اللفظ فى القرآن الكريم عشر مرات، منها:
- {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًاالإسراء/16.
- {ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَالشعراء/172.
- {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}محمــد/10.
التدمير: إزالة أثر البناء وتخريبه تخريبًا شديدًا، واستعمل فى القرآن الكريم لبيان شدة الهلاك الذى أصاب المكذِّبين من الأمم البائدة[6]. وفى سورة "محمد" جِىءَ بحرف الاستعلاء "على" مقترنًا بالفعل "دمَّر" لتضمين التدمير معنى الهجوم[7].
وعلى هذا يكون التدمير: إهلاكًا شديدًا مُسْتَأْصِلًا لا يبقى بعده شىء، وفيه معنى الهجوم، أى المفاجأة والمباغتة.

• مَحَقَ:
ورد اللفظ فى القرآن الكريم مرتين، فى الآيتين التاليتين:
- {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِالبقرة/276. 
- {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَآل عمران/141.
مَحْق الله الرِّبَا: إذهاب بركة المال الذى يدخل منه[8].
ومَحْقُ الكافرين: نقص عددهم وإهلاكهم[9].
والملاحظ فى الموضعين اللذين ورد فيهما "المحق" فى القرآن الكريم أن المحق بمعنى النقص فيهما جميعًا، فَمَحْقُ المال المختلط بالربا: نقصه عن طريق إذهاب بركته، ومحق الكافرين بنقص عددهم، عن طريق القتل فى الحرب، وهو ما ذكرته الآيات السابقة. فعُبِّر عن شهداء المسلمين بلفظ "التمحيص"، وعن قتلى الكافرين بالمَحْقِ.
إذن فالمحق فى القرآن هو نوع خاص من الهلاك، وهو النقص.

• مَحَا:
ورد هذا اللفظ فى القرآن الكريم ثلاث مرات، فى الآيات التالية:
- {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِالرعد/39. 
- {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةًالإسراء/12. 
- {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِالشورى/24.
جاء المحو فى آية الرعد نقيضًا للإثبات، فالإثبات تعبير عن الدوام والبقاء، والمَحْوُ تعبير عن الزوال[10].
وجاء المحو فى آية الإسراء نقيضًا للإبصار، فالإبصار تعبير عن النور الذى تُسْتَبان به الأشياء، والمحو تعبير عن طمس الضوء وإطباق الظلمة فلا يُسْتَبانُ شىءٌ كما لا يستبان شىء من اللوح المَمْحُوِّ[11].
وجاء المحو فى آية الشورى نقيضًا للإحقاق، فَمَحْوُ الباطل تعبير عن الإزالة، وإحقاق الحق تعبير عن التحقيق[12].
• فمعنى المحو إذن: الإزالة.

• أهلك:
ورد هذا اللفظ فى القرآن الكريم ثمانيًا وستين مرة، وهو على ثلاثة أوجه:
- افتقاد الشىء عندك وهو عند غيرك موجود، كقوله عز وجل: {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْالحاقة/29
- وهلاك الشىء باستحالة وفساد، كقوله عز وجل: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَالبقرة/205.
- والثالث: الموت، كقوله عز وجل: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَالنساء/176.
ثم ذكر الراغب وجهين آخرين لم يضمِّنهما فى مطلع كلامه على الهلاك، وهما:
- بُطلانُ الشىء من العالَم وعَدَمُهُ رأسًا، وذلك المسُمَّى فناءً، المشار إليه بقول الله عز وجل: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُالقصص/88.
- ويقال للعذاب والخوف والفقر: الهلاك، وعلى هذا قوله عز وجل : {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}الأنعام/26.
وقوله عز وجل: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَالأحقاف/35، هو الهلاك الأكبر الذى دلَّ عليه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا شَرَّ كَشَرٍّ بَعْدَه النار"[13].
وعلى هذا فإن للهلاك فى الاستعمال القرآنى عدة معانٍ:
- عدم وجود الشىء مطلقًا.
- العدم النسبى، أى عدم الشىء عندك ووجوده عند غيرك.
- الصيرورة إلى الفساد والبطلان.
- العذاب بأنواعه.
وبذلك يكون الهلاك أوسع هذه الألفاظ وأكثرها دلالاتٍ.
• ونخلص مما سبق إلى أن الألفاظ: طدَمْدَم ـ دَمَّر ـ مَحَقَ ـ مَحَا ـ أهلك" متقاربة المعانى، وتشترك جميعًا فى ملمح الذهاب.
• وتختص الدمدمة بملامح: الإطباق، والمبالغة، والضيق.
• ويختص التدمير بملمح الهجوم، وفيه مباغتة ومفاجأة، وأيضًا بملمح الإبادة الكاملة.
• ويختص المحق بمعنى النقص وإذهاب البركة، فهو نوع خاص من الذهاب والزوال.
• ويختص المحو بمعنى الإزالة والاستئصال التام.
• ويختص الهلاك بتعدد معانيه واتساعها، حيث يشمل:
- العدم المطلق.
- والعدم النسبى "أى الافتقاد".
- والموت.
- والصيرورة إلى الفسان والبطلان.
- والعذاب بألوانه "الفقر، الخوف، الجوع ... إلخ".

***************************

[1] مقاييس اللغة، اللسان (د م م).
[2] اللسان (د م ر).
[3] مقاييس اللغة، اللسان (م ح ق).
[4] تهذيب اللغة، مقاييس اللغة، اللسان (م ح و).
[5] مقاييس اللغة، اللسان (هـ ل ك).
[6] الكشاف 4/260، البحر المحيط 8/482، التحرير والتنوير 30/375، القرطبى 20/79.
[7] التحرير والتنوير15/55، 26/89.
[8] التفسير الوسيط 26/74.
[9] الكشاف 1/401.
[10] الكشاف 1/466، التحرير والتنوير 3/91؛ 4/104-105.
[11] الكشاف 2/363، البحر المحيط 5/398.
[12الكشاف 2/440، البحر المحيط 6/14-15.
[13] التحرير والتنوير 25 /87.
[14] مفردات الأصفهانى (هـ ل ك).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل