فروق دلالية: الإثم ـ الجُنَاح ـ الحُوب ـ الخطيئة ـ الذَّنب ـ الزَّلل ـ السيئة ـ الفاحشة والفحشاء ـ المنكر ـ الوِزر

فروق دلالية في معاني الإثم ـ الجُنَاح ـ الحُوب ـ الخطيئة ـ الذَّنب ـ الزَّلل ـ السيئة ـ الفاحشة والفحشاء ـ المنكر ـ الوِزر

 معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم

د. محمد داوود

• الإثم فى اللغة: البُطْءُ والتأخُّر عن الخير، مأخوذ من قولهم: ناقة آثمة، أى متأخِّرة فى سيرها. لأنَّ ذا الإثمِ بطىءٌ عن الخير متأخِّر عنه [1].
• والجُنَاح فى اللغة: الميْل إلى الإثم والجناية والجُرم [2].
• والحُوب فى اللغة: بمعنى الإثم[3]، وقيل: الإثم العظيم [4].
• والخطيئة: بمعنى الذنب، وأصلها من خطا يَخْطُو، أى تعدَّى الشىءَ وذهب عنه، ويقال لمن تعدى الخير وتركه: أخطأ وخَطِئَ خَطَأً وخطيئة؛ لهذا القياس[5]. وفرَّق ابن منظور بين الخَطَأِ والخطيئة، فنقل عن بعض اللغويين: الخطأ: ما لم يُتَعَمَّدْ. والخِطْءُ والخطيئة: الذنب على عمد [6].
• والزَّلَل فى اللغة: الخطأ والذنب؛ لأن المُخْطِئَ قد زَلَّ "أى انزلق" عن نهج الصواب [7].
• والذنب فى اللغة: الجُرْم والمعصية [8].
• والسيئة فى اللغة: الذنب القبيح [9].
• والفاحشة فى اللغة: الذنب القبيح الذى جاوز الحَدَّ فى القبح والشناعة، ومثلها الفُحْش والفحشاء [10].
• والمنكر فى اللغة: ضد المعروف، وهو ما ينكره القلب ولا يسكن إليه [11].
• الوِزْر فى اللغة: الثِّقَل، ومنه سُمِّى الذنبُ وزرًا؛ لأنه يثقل صاحبه [12].
ومما سبق يتضح لنا أن الاستعمال اللغوى العادىَّ ـ كما أوردت المعاجم ـ لم يفرِّق بين أربعة من هذه الألفاظ، وجعل بينها ترادفًا تامًّا، وهى: الإثم، والخطيئة، والذنب، والزَّلَل.
بينما خُصِّصت السَّيِّئةُ فى الاستعمال اللغوى بصفة القبح، وأشدُّ منها الفاحشة والفحشاء؛ وذلك لأنهما خُصِّصا بوصف آخر هو الشدة: شدة القبح والشناعة.
واختص المنكر فى الاستعمال اللغوى بملمح دلالى آخر هو: إنكار القلب له وعدم سكون النفس إليه، فالنفوس تنكره كأنها لا تعرفه، وكأنما فُطِرَتْ على خلافه فهى تأباه ولا تكاد تعرفه.
واختص الجُنَاح بملمح دلالى آخر، وهو كونه "ميلًا" إلى الإثم، وليس اقتراف الإثم.
واختص الوزر بملمح الثقل.
والآن لننظرْ إلى الاستعمال القرآنى الحكيم لكل لفظ من هذه الألفاظ التى بدت فى الاستعمال اللغوى العادىِّ مترادفة تمامًا، أو بينها شبه ترادف، لنرى كيف تميَّز الاستعمال القرآنىُّ فى وضع كلِّ لفظ من هذه الألفاظ فى موضعه المناسب له بحيث لا يصلح غيره "مما يقاربه فى المعنى" بديلًا عنه.

• الإثم:
وردت كلمة "إثم" فى مواضع عديدة من الكتاب الكريم، ومن ذلك الآيات التالية: 
- {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِالبقرة/ 85.
- {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} البقرة/182.
- {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}النساء/20.
- {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًاالنساء/48.
- {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًاالنساء/112.
- {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَالمائدة/62.
- {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَالأعراف/33.
- {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَالنجم: 32.
قال أبو حيان فى تفسير آية البقرة رقم (85):
"الإثم فيه قولان: أحدهما أنه الفعل الذى يستحقُّ عليه صاحبه الذَّمَّ واللوم. والثانى: أنه الذى تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب".
ودلَّت عبارته بعد ذلك على ترجيحه للمعنى الثانى؛ حيث ساق حديث النبى صلى الله عليه وسلم: "الإثم ما حاك فى صدرك" [13].
ونحن نذهب إلى ترجيح الوجه الذى رجَّحه أبو حيان فى تفسيره للإثم؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم فسَّره، والسُّنَّة مُبَيِّنة للقرآن بلا نزاع. وقال النووى: معنى "حَاكَ فى صدرك" أى: تَحرَّكَ فيه وتَرَدَّدَ، ولم ينشرح له الصَّدر، وحصل فى القلب منه الشَّكُّ وخوف كونه ذنبًا [14].
وفى الإثم معنى التعمُّد كما يتضح من الشاهد الثانى، حيث فُسِّر الجَنَفُ بالميل عن الحق على سبيل الخطأ، والإثم بتعمُّد الجور والظلم والأذى [15].
وتشير الآية الرابعة "النساء: 48" إلى عظم وجسامة الإثم؛ حيث جعل الشِّرك بالله ـ وهو أعظم الذنوب ـ إثمًا عظيمًا.
وفى الآية الخامسة "النساء: 112" عُطِف الإثم على الخطيئة بأو، وعلى البهتان بالواو، والعطف بـ"أو" يدل على المغايرة فى المعنى بين الإثم والخطيئة، وللمفسرين فى ذلك أقوال عديدة، فبعضهم جعلهما بمعنى واحد، وأكثرهم رجَّح أن المراد بالخطيئة: صغائر الذنوب، وبالإثم: كبائر الذنوب ... وثمة أقوال أخرى غير ذلك، على أن الأرجح من بين هذه الأقوال كما يوحى به نَظْمُ الآية الكريمة ـ حيث العطف يوجب المغايرة، وفى ضوء استقراء النصوص الأخرى التى ذُكِرَ فيها الإثم ـ أن المراد بالخطيئة: المعصية الصغيرة، والمراد بالإثم: المعصية الكبيرة. وهذا ما ذهب إليه أكثر المفسرين [16].
وفى الآية السادسة "المائدة: 62" يتعاظم معنى الإثم، حتى فسَّره البعض فى هذه الآية بكلمة الشرك [17]. على أن التفسير الذى اعتمده الزمخشرى وغيره للإثم هنا هو: الكذب، بدليل قوله عز وجل فى الآية التالية: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَالمائدة/63.
والإثم فى الآية السابعة "الأعراف: 33": عامٌّ فى كل ذنب [18]، وكذا فى الآية الثامنة "النجم: 32" [19].
• ونخلُص مما سبق إلى أن "الإثم" فى الاستعمال القرآنى يتميز بملامح دلالية خاصة، هى أنه:
1) فعل قبيح يستوجب الذمَّ واللوم.
2) تنفر منه النفوس ولا تطمئن إليه القلوب.
3) لفظ عام يشمل صغائر المعاصى وكبائرها، وغلب استعماله فى الكبائر.
4) فيه تعمُّد.

• الجُنَاح:
تكرَّر ذكر الجُنَاح فى مواضع كثيرة من كتاب الله الحكيم، ومن ذلك الآيات التالية:
- {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْالنور/ 29.
- {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْالأحزاب: 5
أول ما يلاحظ فى الاستعمال القرآنى لهذه الكلمة أنها وردت منفية فى جميع مواضعها "24 موضعًا"، وهذا يعنى الإباحة لكل ما ذُكِرَ فى تلك المواضع، فنفى الجُنَاح تخييرٌ بين الفعل والترك [20].
ومعنى الجُنَاح حيثما وقع فى القرآن: المَيْل إلى الإثم، كما فى اشتقاقه فى اللغة؛ إذ هو مشتقٌّ من "جَنَحَ" أى مال[21]. ولكن الاستعمال القرآنى للفظ يجعله أعمَّ من الإثم؛ لأن الإثم يقتضى العقاب، أمَّا الجناح فيُستعمَل فيما يقتضى العقاب وفيما يقتضى الزجر دون العقاب [22].
• والملامح الدلالية المميزة للجناح كما يستفاد من الآيات التى ورد فيها:
1- عموم معناه، فهو أعم من الإثم والذنب.. وغيرهما؛ لأن الجناح قد يقتضى العقاب، أو ما دون العقاب كالزجر.
2- فيه معنى الميل إلى المعصية وإن لم يقع فيها.
3- كما يُلاحَظ أنه استعمل منفيًّا فى جميع مواضعه من القرآن، وهذا يعنى التخيير بين الفعل والترك.

• الحُوب:
وردت هذه الكلمة فى موضع واحد من القرآن الكريم، هو قول الله عز وجل:
- {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًاالنساء/2.
والحوب هنا: الذنب العظيم الكبير[23]. قال الزمخشرى فى سرِّ استعمال هذه الكلمة هنا:
"فإن قلتَ: قد حُرِّمَ عليهم أكْلُ مال اليتامَى، فلم وَرَدَ النهى عن أكله مع أموالهم؟ قلتُ: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال وهم على ذلك يطمعون فيها، كان القبح أبلغَ والذمُّ أحقَّ ... والحوب: الذنب العظيم [24]".
وذكر أبو حيان ثلاثة معانٍ للحوب: الإثم، والظلم، والوحشة [25].
واللفظ يحتمل المعانى الثلاثة معًا، إذ هو إثم على فاعله، وظلم لمن وقع عليه، ووحشة بينهما، وكل هذا يجعل الحُوب ذنبًا كبيرًا؛ لما فيه من ظلم وجلب للوحشة والجفاء، وإضاعة للحُرمة والحقوق. ويشهدا لهذا قول النبى صلى الله عليه وسلم لأبى أيوب لَّما أراد طلاق أمِّ أيوب رضى الله عنهما: "إن طلاق أمِّ أيوبَ لَـحُوبٌ"، أى: لَوَحْشَةٌ وإثم [26].
• الخَطَأ والخطيئة والخِطْءُ: 
وردت كلمة "خَطَأ" فى القرآن الكريم مرتين فى قول الله عز وجل:
- {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُواالنساء: 92.
والخطأ هنا كما أوضح أبو حيان فعلٌ غير اختيارى، والمعنى ما ينبغى للمؤمن أن يقتل مؤمنًا متعمِّدًا، ولكن يقع ذلك منه خطأً.
وأما الخطيئة فتكرر ورودها فى القرآن الكريم مفردة، ومجموعة "خطايا ـ خطيئات"، ومن ذلك قول الله عز وجل:
- {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَالبقرة/81.
- {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًاالنساء/112.
- {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِطه/ 73.
- {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِالشعراء/82.
- {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَالأعراف/١٦١.
وقد سبق الكلام على الخطيئة عند الكلام على الإثم، وأن المراد بالخطيئة: صغائر الذنوب.
ولعلَّ الآيات الأخرى المذكورة هنا توضِّح بجلاء هذا المعنى، ففى آية البقرة "81" جُعِلَ من أحاطت به خطيئته من أهل النار؛ لأن من كان هذا شأنه فلا يكون مؤمنًا؛ إذ إن المؤمن لا تحيط به خطيئته، بل لا يخلو من عمل صالح، وبذلك تَعَيَّنَ أن المراد بتخليد من أحاطت به خطيئته فى النار كونُه كافرًا، قد تجرَّأَ على كل الخطايا حتى أحدقت به فلم تترك له منفذًا [27].
وفى آية الشعراء "82" أضيفت الخطيئة إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام، مما يقطع بأنها صغيرة؛ لأن الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ معصومون من الكبائر.
• وهكذا يتضح أن الخطيئة تعنى: الذنب الصغير، وأكثر استعمالاتها فيما لا يكون مقصودًا لنفسه، بل يكون القصد سببًا لتولُّد ذلك الفعل منه، كمن رمى صيدًا فأصاب إنسانًا [28].
• وأمَّا الخِطْءُ فقد ورد فى القرآن الكريم مرة واحدة، فى قول الله عز وجل:
- {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًاالإسراء:/ 31. أى: ذنبًا عظيمًا[29]، وفيه عمد [30].

• الذنب:
وردت كلمة "ذنب" مفردة ومجموعة فى العديد من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَآل عمران/135.
يتضح فى هذا الشاهد أن الذنب يشمل ما تقدَّم من الفاحشة وظلم النفس، فالفاحشة: الفعلة متزايدة القبح، وظلم النفس من الصغائر[31]، أو من الكبائر التى يقتصر ضررها على النفس ولا تتعدَّى إلى الغير[32].
• فالذنب: أعم ألفاظ هذا الباب؛ لأنه يشمل الصغائر والكبائر، كما يشمل كل ما لا تحمد عُقْبَاه؛ ولذلك قال موسى عليه السلام: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِالشعراء/14. فجعل لهم عليه ذنبًا، أى جناية تُسْتَوْخَم عُقْبَاها عندهم [33]، والذنب ـ فى الأعم الأغلب ـ يكون بين الإنسان والله عز وجل.

• الزَّلَل:
وردت مشتقات هذا اللفظ فى القرآن الكريم أربع مرات، ومن ذلك قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌالبقرة/208-209.
وردت فى تفسير "زللتم" هنا عدَّة تفسيرات، منها: عصيتم، كفرتم، أخطأتم، ضللتم.
ورجَّح أبو حيان أنها بمعنى كفرتم، نقله عن ابن عباس، قال: "وهو الظاهر؛ لقوله عز وجل: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ}: أى الإسلام، {فَإِنْ زَلَلْتُمْ}: عن الدخول فيه ... وأصل الزَّلَلِ للقدم، يقال: زلَّتْ قدمه، ثم يستعمل فى الرأى والاعتقاد" [34].
ولعل عبارة الراغب الأصفهانى تكشف بعض غموض المعنى فى الزلل، قال: "الزَّلَّةُ فى الأصل: استرسال الرِّجْلِ من غير قصد، وقيل للذنب من غير قصدٍ: "زلَّةٌ" تشبيهًا بِزَلَّة الرِّجل ... وقوله عز وجل:
- {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواآل عمران/155.
أى: اسْتَجَرَّهم الشيطان حتى زلُّوا، فإنَّ الخطيئة الصغيرة إذا ترخَّص الإنسان فيها تصير مسهِّلة لسُبُل الشيطان على نفسه"[35].
وعلى هذا يكون المراد بقول الله عز وجل: "زللتم" فى سورة البقرة: اتَّبعتم وَسْوَسة الشيطان وتزيينه الصغائر حتى انزلقتم وأخطأتم.
• ومجمل القول أن المراد بالزلل فى الاستعمال القرآنى: الخطأ الصغير غير المقصود، الذى يَجُرُّ فاعلَه إلى ما هو أعظم.
• السيئة:
وردت كلمة "السيئة" فى مواضع عديدة من القرآن الكريم، مفردة، ومجموعة، ومن ذلك الآيات التالية: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَالبقرة/81.
- {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًاالنساء/18.
والسيئة فى الاستعمال القرآنى: الفعلة القبيحة، وهى ضد الحسنة، والحسنة والسيئة ضربان:
o أحدهما بحسب اعتبار العقل والشرع نحو المذكور فى قول الله عز وجل :
- {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَالأنعام/160.
وحسنة وسيئة باعتبار الطبع وما يستقبله [36]، كما فى قوله عز وجل: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَالأعراف/ 131.
ومن الشواهد السابقة يتَّضح أن السيئة فى القرآن الكريم هى: الذنب القبيح الذى يسوء صاحبه، ويسوء فى عيون الناس، أى يُسْتَقْبَح، وهو المعنى اللغوى للفظ، ولكن غلب استعماله فى القرآن الكريم للدلالة على ما يكون بين الإنسان والناس.
• ونخلُص مما سبق إلى أن لفظ "السيئة" فى الاستعمال القرآنى يتميز بملامح دلالية خاصة، هى أنه:
1- فعل قبيح.
2- بين الإنسان والآخرين.
3- تشين صاحبها.
• الفاحشة ـ الفحشاء:
لفظ الفاحشة يدلّ فى أصل معناه على ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال أو كما قال ابن فارس: "الفاء والحاء والشين: كلمة تدل على قبح فى شىء وشفاعة"[37].
وقد تفرَّع عن هذا المعنى العام جملةُ معانٍ قرآنية حدَّدها السياق اللغوى أو سياق الموقف؛ فهى تارة تعنى اللواط، كقوله تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَالنمل/54.
- وتارةً تعنى الزنا كقوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْالنساء/١٥.
وتارة تعنى مطلق العقل القبيح، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَآل عمران/١٣٥.
وقد سبق أن الفحشاء هى: ما يتجاوز الحد فى القبح من المعاصى والذنوب.
• وهى كذلك حيثما وردت فى القرآن الكريم، وعلى ذلك فالملامح الدلالية لهذين اللفظين المترادفين، هى: 
o الفعل القبيح.                      o شدة الاستهجان.
o التعمُّد.                            o شدَّة الاستنكار والنفور.

• المنكر:
تكرر ذكر المنكر فى القرآن الكريم، ولعل أوضح شاهد لتفسير معناه هو قول الله عز وجل: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِالعنكبوت/45.
المنكر: كل فعلٍ تحكم العقول الصحيحة بقبحه [38]، وهو عام فى كل مكروه تنفر منه القلوب وتأبَاه النفوس المعتدلة [39]، كأنها لا تعرفه من شدة قبحه وبُعْدِه عن السلوك السوىِّ المستقيم.
وعلى هذا فالمنكر: أشد الذنوب وأفظعها بعد الفاحشة التى هى اسم جامع لكل عملٍ تستفظعه النفوس لفساده، من اعتقاد باطل أو عمل مفسد للخلق ... إلخ [40].

• الوِزْر:
وردت هذه الكلمة فى القرآن الكريم اثنتى عشرة مرة، منها قول الله عز وجل:
- {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىالأنعام/ 164.
والمشار إليه بالوزر فى القرآن الكريم: حال صاحب الذنب، وما يتحمله من عِبءٍ وثقلٍ يرهقه ويؤذيه. 
• فكأن الوِزْرَ هو الإحساس المصاحب للذنب ووطأته على نفس صاحبه.
• ونخلُص مما سبق إلى دقة الاستعمال القرآنى لتلك الكلمات، إلى حدٍّ يعجز عنه البشر.
فهذه كلمات تقاربت معانيها فى العربية إلى حدِّ الترادف أو التطابق التامِّ، لكن لكل منها فى الاستعمال القرآنى الحكيم ملامح وسمات خاصة لا نجدها فى الخطاب العادى. وسبحان الله الذى فصَّل آياته وأحكمها، هذا الإحكام الذى تذهل له العقول، وتخشع القلوب، وتخضع الأعناق.
فكل هذه الألفاظ تدل على فعل يستوجب اللوم والذمَّ، لكن لكل منها سياقه الذى لا يصح فيه غيره ولا يغنى عنه فيه

مُقَارِبُه:
فالإثم عام فى كل الذنوب، وإن غلب استعماله فى الكبائر.
والجناح أعمُّ من الإثم؛ لأنه يشمل الوقوع فى المعصية، كما يشمل الميل إليها دو ن مقارفتها.
والحوب: إثم وظلم ووحشة وجفاء.
والخطيئة: ذنب صغير ليس فيه عَمْدٌ، والخِطْءَ ذنبٌ فيه عمد. 
o أما الذنب فيشمل كل جُرم تُسْتَوْخَم عاقبتُه فى الدنيا والآخرة.
والزلل: الانزلاق إلى الذنوب والمعاصى، مما يجر الإنسان من الصغيرة إلى الكبيرة.
والسيئة: الذنب القبيح الذى يسوء صاحِبَه ويراه الناس سيِّئًا، ففيه معنى المجاهرة.
والفاحشة : ما اشتد قبحه وتجاوز الحدَّ فى الشناعة من المعاصى والذنوب، وتستنكره النفوس وتأباه الفِطْرة السليمة.
والمنكر: ما تنكره القلوب وتستفظعه النفوس، ولكنه أخفُّ من الفاحشة التى لا يخفى على أحد قبحها وشناعتها.
والوزر: ثِقَل الذنب على فاعله، فهو منظور فيه إلى شعور مقترفِه، وبخاصة يوم القيامة حين يحمل كل إنسان ما كسب من خير أو شرٍّ، فيكون للشر ثقله ووطأته التى هى بمنزلة حمل ثقيل يحمله فوق ظهره.. فسبحان من هذا كلامه!!

**************************

[1] مقاييس اللغة (أ ث م).
[2] مقاييس اللغة، النهاية، اللسان (ج ن ح).
[3] مقاييس اللغة، اللسان (ح و ب).
[4] اللسان، النهاية (ح و ب).
[5] مقاييس اللغة (خ ط و).
[6] اللسان (خ ط أ).
[7] مقاييس اللغة، النهاية، اللسان (ز ل ل).
[8] مقاييس اللغة، اللسان (ذ ن ب).
[9] مقاييس اللغة، اللسان ( س و أ).
[10] مقاييس اللغة، النهاية، اللسان (ف ح ش).
[11] مقاييس اللغة، النهاية، اللسان (ن ك ر).
[12] مقاييس اللغة، اللسان (و ز ر).
[13] البحر المحيط 2/291، والحديث فى: صحيح مسلم بشرح النووى، كتاب البر والصلة، باب تفسير الإثم والبر، رقم 4632، مسند أحمد : رقم 16973، 17213، 17315، 17320، 21174.
[14] صحيح مسلم بشرح النووى، الموضع السابق.
[15] الكشاف 1/334، البحر المحيط 2/23.
[16] انظر: الكشاف 1/563، البحر المحيط 3/346، التحرير والتنوير 5/196، التفسير الوسيط 3/400.
[17] انظر: الكشاف 1/626.
[18] الكشاف 2/77، التحرير والتنوير 8/100، ابن كثير 2/211.
[19] الكشاف 4/32، البحر المحيط 8/164، التحرير والتنوير 27/121.
[20] انظر: البحر المحيط 1/457، الكشاف 1/324.
[21] مفردات الأصفهانى (ج ن ح).
[22] انظر: البحر المحيط 2/94.
[23] معانى القرآن للفراء 1/253.
[24] الكشاف 1/495 – 496.
[25] البحر المحيط 3/161.
[26] الحديث وشرحه فى: النهاية لابن الأثير 1/455.
[27] التحرير والتنوير 1 /581
[28] مفردات الأصفهانى (خ ط أ).
[29] تفسير ابن كثير 3/38.
[30] التحرير والتنوير 15/88.
[31] الكشاف 1/464.
[32] التحرير والتنوير 4/92.
[33] مفردات الأصفهانى (ذ ن ب).
[34] البحر المحيط 2/123.
[35] مفردات الأصفهانى (زل ل).
[36] مفردات الأصفهانى (س و أ).
[37] مقاييس اللغة (ف ح ش).
[38] مفردات الأصفهانى (ن ك ر).
[39] التحرير والتنوير 14/257.
[40] المرجع السابق، الصفحة نفسها.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل