فروق دلالية: دلّ - أرشد - هدى

فروق دلالية: دلّ - أرشد - هدى

من معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم

د. محمد داوود

دَلَّ ـ أَرْشَدَ ـ هَدَى

• الدلالة فى اللغة: البيان والتعريف[1].
• والإرشاد أيضًا: بيان الطريق، والتعريف بالقصد والصواب[2].
• والهُدَى: ضد الضلال، وهو التعريف والبيان أيضًا[3].

فالاستعمال اللغوى لم يفرِّق بين هذه الألفاظ الثلاثة.. ولكن الاستعمال القرآنى فرَّق بينها.

فالدلالة ومشتقاتها وردت فى خمسة مواضع من القرآن الكريم، منها الآيات التالية:
- {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} طه/40.

- {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} طه/120.

- {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} سبأ/14.

ولا تفيدنا التفاسير المختلفة بشىءٍ فى معنى الدلالة بأكثر من المعنى اللغوى، إلَّا أن الناظر فى سياق الآيات التى ورد فيها لفظ الدلالة ومشتقاته يجد أن أكثرها فى غير معنى الهداية إلى الله عز وجل، بل الدلالة على شىءٍ دنيوى، عدا قول الله عز وجل:
- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الصف/10.

ولعل فى هذا قرينةً على أن الاستعمال القرآنى للفظ الدلالة يقصُره على معنى البيان والتعريف، وبعبارة الراغب الأصفهانى[4]: الدَّلالة: ما يُتَوَصَّل به إلى معرفة الشىء، كدلالة الألفاظ على المعنى، ودلالة الإشارة والرموز والكتابة والعقود فى الحساب، وسواء كان ذلك بقَصْدٍ ممَّن يجعله دلالةً أو لم يكُنْ بقصد، كمن يرى حركة إنسان فيعلم أنه حىٌّ، قال عز وجل: {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ} سبأ/14.

ولم يفرِّق الراغب بين الهداية والإرشاد، فقال:
"الرَّشَدُ والرُّشْدُ: خلاف الغَىِّ، ويُسْتَعْمَل استعمالَ الهداية"[5].
لكن المتأمِّل فى استعمال القرآن الكريم لمادة "ر ش د" يجد أنها لا تقتصر على معنى البيان والتعريف والبعد عن الضلال فحسب، بل تتضمن ـ إلى جانب ذلك ـ ملمحًا دلاليًّا آخر هو الإشارة إلى إصابة الحقِّ والنفع والصالح، كما بين العلامة الطاهر بن عاشور فى تفسيره[6] لقول الله عز وجل:
- {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} الكهف/10.

وفى قول الله عز وجل:
- {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} الكهف/17.
قال الشيخ الطاهر بن عاشور: "المُرْشِد: الذى يبيِّن للحيران وجْهَ الرشد، وهو إصابة المطلوب من الخير"[7].

وعلى هذا يكون الإرشاد أخصَّ من الدلالة، فالدلالة عامَّة فى معنى البيان والتعريف، سواء فى الخير أَمْ فى الشر، وبقصد أو بغير قصد.

أمَّا الإرشاد فهو بيان وجه الحق والخير، ولا يكون الإرشاد فى الشرِّ، كما أنه لا بدَّ أن يكون مقصودًا.

والهُدَى والهداية ومشتقاتهما فى القرآن الكريم ـ كما ذكر الراغب الأصفهانى ـ تُطلَق على: الدلالة والبيان بلُطْفٍ. والهداية من الله على أربعة أوجه:
الأول: الهداية التى عَمَّ بجنسها كل مكلَّفٍ، من العقل والفطنة والمعارف الضرورية، كما فى قوله عز وجل:
- {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} طه/50.

الثانى: الهداية على ألْسِنة الأنبياء وبالكتب السماوية، وهو المقصود بقول الله عز وجل: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} الأنبياء/73.

الثالث: التوفيق الذى يختصُّ به من اهتدى، وهو المَعْنِىُّ بقول الله عز وجل:
- {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} محمد/17.
وقوله عز وجل: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} التغابن/11.

الرابع: الهداية فى الآخرة إلى الجنة، وهو المعنىُّ بقوله عز وجل: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} الأعراف/43.
والإنسان لا يقدر أن يهدى أحدًا إلا بالدُّعاء وتعريف الطرق "أى الوجه الثانى"، دون سائر أنواع الهدايات[8].

• ونخلص مما سبق إلى أن لفظ "الهُدَى" ومشتقاته فى القرآن الكريم يتميز بملامح دلالية ليست للدلالة والإرشاد، وهذه الملامح الفارقة هى:
• اللطف[9].

• قد يكون بالبيان والتعريف كالدلالة والإرشاد، ولكن تختص الهداية بالتوفيق والإلهام.

• تستعمل الهداية فى معنى الثواب وحسن الخاتمة.

• بينما الدلالة عامَّة فى معنى البيان والتعريف، بقصد أو بغير قصد، إلى الخير أو إلى الشر.

• والإرشاد أخص من الدلالة؛ لأنه مقصور على بيان الخير والحق والنفع، دون الشر.

**************************
http://bayanelislam.net/view.aspx?ID=998

[1] مقاييس اللغة، اللسان (د ل ل).
[2]مقاييس اللغة، اللسان (ر ش د).
[3] مقاييس اللغة، اللسان (هـ د ى).
[4] مفردات الأصفهانى (د ل ل).
[5] السابق (ر ش د).
[6] التحرير والتنوير 11/267.
[7] التحرير والتنوير 15/260.
[8] مفردات الأصفهانى (هـ د ى).
[9] أوضح الراغب أن قول الله عز وجل: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} الصافات/23، وقوله عز وجل: {وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} الحج/4، استعمل فيه لفظ الهداية على سبيل التهكم مبالغة فى المعنى، كقوله عز وجل: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} آل عمران/21، التوبة/34، الانشقاق/24. وعلى ذلك لا تكون هذه الآيات شواهد على استبعاد ملمح اللطف من الكلمة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل