نظرات في سورة الكهف - الحلقة 21

نظرات في سورة الكهف - الحلقة 21

د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

مع قصة موسى والعبد الصالح الذي لم يسمّه القرآن قصداً لا سهواً ولا نسياناً معاذ الله وإنما قصداً، والملخص أنه ها أن أعظم أنبياء بني إسرائيل يتعلّم على يد عبدٍ لم نُسَمّه، الرسالة مقصودة وواضحة. 
(وإذ) لاستحضار لقطة معينة من شريط طويل من الأحداث ومن القصص ومن الوقائع. (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ) لن أغادر (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا(60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا(61)) إلى آخر الايات. ليس في القرآن خلفية عن هذا الحدث، ليس عندنا مقدمة عن هذا الحادث وإنما أعطانا إياه القرآن هكذا من لقطة معينة من لحظة معينة من مشهد معين (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ) هل هو يوشع بن نون؟ هل سمّاه القرآن؟ لم يسمّه القرآن ولذلك لا نتقوّل على ربنا ما لم يقل، فتاه يعني فتاه، صديقه صاحبه مرافقه لا يهم. (لا أبرح) كناية عن الإرادة، العزم الشديد، التصميم، الحياة إرادة والعلم إرادة والجهاد إرادة والتطور إرادة والنهوض إرادة، إرادة بتصميم تبلغ الهدف أو تموت دونه، هكذا الإنسان وإلا فلا كان!
(لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) أين مجمع البحرين؟ اختلفت التفاسير وذكر فيه كلام كثير غير صحيح، أقرب نقطة قد يكون فيها مجمع البحرين أذنا البحر الأحمر – هذا اجتهادي ورأيي قد يكون خطأ يبقى اجتهاداً - خليج العقبة وخليج السويس، هذا بحر وهذا بحر. موسى مع قومه كانوا في التيه، تيه سيناء، تيه بني إسرائيل أربعين سنة وهم في هذا التيه، يمكن تكون القصة حدثت هنا. ما الذي يُذهب موسى إلى طنجة ملتقى البحر الأبيض مع المحيط الأطلسي كما تقول بعض التفاسير أو مضيق الدردنيل؟! أقرب شيء جغرافياً إلى قصتنا مجمع البحرين. عند مجمع البحرين كان مجمع البحرين أي بحري العلم موسى والعبد الصالح الذي لم يسمّه القرآن. 
(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا) ما قصة الحوت؟ الحوت سمكة أعدّاها لطعامهما، مشوية، مدخّنة، مقلية، أياً كان، مملحة ومحفوظة، نسيا حوتهما، الفتى هو المسؤول عن عهدة الطعام والمَرافق التي معهم (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) كما تترك السفينة وراءها مثل النفق أخدود في الماء من ثقلها وضغطها تشق الماء فيبقى الماء مشقوقاً بعض الوقت ثم يلتئم كأن شيئاً لم يكن. لكن هنا علامة على المكان تُرِك هذا الأثر.
(فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا(62)) طعامنا (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) بذلنا مجهوداً فنحتاج إلى وقود. غداؤنا هو طعام الغدوة أي الصباح، أما الآن فأصبح معروفاً وقت الظهيرة أو بعد الظهيرة. (آَتِنَا غَدَاءَنَا) المسافرون عادة يبدأون في وقت مبكر فما أن تصل الساعة التاسعة إلا وهم قد بذلوا مجهوداً هائلاً فيحتاجون إلى التزود. 
(لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا(62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ(63)) يظهر أن موسى عليه السلام كان نائماً فخشي العبد أو استحيا أو تأدب أن يوقظ معلّمه وتركه نائماً على أن يبلّغه بأمر السمكة لما يفيق فلما قاموا ومشوا نسي أن يخبره القصة ولله عز وجل حكمة وقصد من هذا أن يبذل موسى مزيداً من الجهد، طلب العلم يحتاج إلى تشمير وعزم وإرادة. (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) (وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) في العادة الشيطان يشغلك بأشياء عن أشياء، يُحضر لك ملفات حتى يضع لك في دائرة النسيان في دائرة الثانويات أشياء من الأولويات يخرب عليك أولوياتك يقدّم لك ملفاً عن ملف، قضية على قضية، موضوع على موضوع، يشغلك عن موضوعك الرئيسي. العبادة يشغلك بقضايا تجد نفسك فاتتك الصلاة! الشيطان يشغلك بأمور وأحياناً يوهمك أنها أمور أساسية ورئيسية فيشغلك عن الأمور الأساسية.
(وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) هناك (سربا) وهنا (عجبا)، هناك ترك أثراً وهنا يخبره أن ما حصل شيء عجيب، معجزة. هذا دين فيه معجزات وخرق الناموس جزء من الناموس وعلى الله لا غريب ولا عجيب. 
(قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) قال له هذا الذي نريده بالضبط وهذه علامة بيني وبين الله عز وجل أنه "حيث أنسى الحوت فالعبد الصالح ثمّ" أي العبد الصالح ينتظرنا هنالك (فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا).
فلما عادا إلى المكان الذي كانا فيه، وجدا عبداً من عبادنا – نلتزم بالنص القرآني لا ندخل في التفاصيل لأنه ليس فيها فوائد لا قليل ولا كثير – التزم النص تسلم. (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا(65)) رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً (من لدن) أعلى وأخص من (عند) لا حيث ولا عند ولا مكان يحيط بالله أو يحد الله أو يحتاجه الله معاذ الله ولكنه كله من تقريب الصورة والمعاني إلينا بلا تحيز بلا تكييف يلا تشبيه بلا تعطيل.
(وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) العلم بحر وكل واحد يغترف من هذا البحر على قدر إمكاناته على قدر قدراته، هذا العبد الصالح أوتي من العلم ما لم يؤت العبد الصالح موسى وموسى أوتي من العلم ما لم يؤت العبد الصالح هذا الذي لم يسمه القرآن ونحن نلتزم ما صنع القرآن والقرآن قاصد أن لا يسميه وفي هذا درس لبني إسرائيل أن يا بني إسرائيل إن كنتم جئتم لتتفاصحوا وتتعالموا على أعظم وأعلم أنبيائنا محمد فهاهو أعظم أنبيائكم موسى عليه السلام يتعلم على يد عبد أنا لم أذكر له اسماً في قرآني وكتابي. 
(قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا(66)) الرشد معنى محوري في السورة. انظر إلى الأدب في طلب العلم موسى الكليم يطلب من هذا العبد مجهول الاسم يقول له (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) تلميذ. (مما) من بعض ما عُلمت لكن أنا أبتغي من وراء هذا العلم الرُشد، لا التطوير ولا التكثير ولا التعريض كم عندي من المخزون العلمي، لا، أبتغي أن أزداد من هذا العلم رشدًا وقرباً من مولاي سبحانه. ماذا كان جواب العبد الصالح؟

 

 
 


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل