علّمه البيان - سورة الكهف - 3

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

سورة الكهف – الجزء 3

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

قلنا أن الرجلين من أصحاب الكهف الضعيف الذي جاء إلى الرجل ليسأله أن يكون معه في خدمته بعد أن تصدق بماله كله فردّ عليه صاحبه ما فعلت بمالك؟ قال: لقد تصدقت بمالي كله ولم أترك منه شيئا، قال: أنت معتوه أن تعطي كل مالك؟ أضعه عند رب العالمين في مكان باقي، قال له صاحبه: انظر إلى مزارعي وما أنعم الله به عليّ ما أظن أن تبيد هذه أبدًا. ثم ألفته إلى مزرعته لم يكفر بالساعة وإنما قال لصاحبه تقوم الساعة ولا ينتهي ما فيها من النعم، هذا الذي كان يقصده بدليل أنه مؤمن (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾)

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴿٣٣﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿٣٤﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾) لكن صاحبه فهم أن شريكه القديم قد أفحش في القول وقد بغى ولا نقول طغى فإن المؤمن إذا كثرت عليه الدنيا وترك بعض دينه نقول بغى ولا يصلح أن نقول فيه طغى لأن الطغيان لا يصلح إلا في حق الكفار أما المؤمن فقد تأتيه الدنيا وقد ينسى لكن نقول يبغي وقد جاء القرآن مبينًا لذلك قال الله تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ) (لعباده) وليس للعباد، أضاف عبوديتهم له تشريفًا (لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) ولو قال (للعباد) لكان يقصد كل العباد برّهم وفاجرهم (وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى: 27]. قال بغوا ولم يقل طغوا لأن الطغيان لا يصلح في حق المؤمنين. وقد قال في الأوائل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) ولم يقل فإن طغت ولو أن القرآن يقصد فرقة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فقال (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) وفي حديث عمار بن ياسر لما قالوا مات حينما وقع عليه جدار المسجد وهم يبنون مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قالوا مات عمار وقع عليه الجدار وقتله الحجر، فقال صلى الله عليه وسلم: عمار لم يمت ستقتله الفئة الباغية ولم يقل الطاغية وهم أصحاب معاوية رضي الله تعالى عنه وهو مع ذلك صحابي جليل وقد قال القائل في الفتنة الكبرى:

دع ما جرى بين الصحابة في الوغى      بسيوفهم يوم التقى الجمعان

فقاتلهم لهم ومقتولهم منهم       وكلاهما في الحشر مرحومان

حتى لا نميل إلى جهة، بالطبع أن عليًا كرم الله وجهه أفضل من معاوية بن أبي سفيان، فعليّ هو صهر الرسول صلى الله عليه وسلم ومن المبشرين بالجنة وقل في علي بن أبي طالب ما تقول ولن تستطيع أن تصل إلى شعرة منه وقد قال فيه القائل حينما قُتل لما قتله ابن ملجم العدو:

قل لابن ملجم والأقدار غالبة قتلت ويحك للإسلام أركانا

قتلت أفضل من يمشي على قدم وأول الناس إسلامًا وإيمانًا

سمى الله هذه الفئة (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات:9] ولم يقل اقتتلتا يقصد بالطائفتين فئة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه وفئة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) ولم يقل اقتتلتا لأن ضمير اقتتلوا يعود على الجنود فعاد الضمير على الجمع (اقتتلوا) (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) لم يقل بينهم، عاد الضمير على الطائفتين لأنك لا تصلح بين الجنود وإنما بين القادة. (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى) ولم يقل طغت لأن الطغيان لا يصلح إلا في حق الكفار وقد قال سبحانه (اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (24) طه) الطغيان لا يكون إلا في حق الكافر المجرم الكبير. (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) ولم يقل اقتلوا لأن كلمة قاتل في لغة العرب بمعنى المدافعة واللوم باللسان والسب والشتم ولم يقل اقتلوا. نقول فلان يقاتل بلسانه أما يقتل فبسيفه فلفظة يقتل فلا يكون إلا بسيف أو بغيره أما المقاتلة تكون باللسان (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ) لم يقل فإن لم تفئ، فرب العالمين دائمًا يشير إلى السلم والخير. (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أصلحوا بينهما بالعدل فكان القرآن الكريم يشير إلى الخير وهذه تسمى مقاتلة.

نعود إلى أصحاب القرية (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾) والكفر هاهنا كفر النعمة، إنما كفر بالنعمة أعطاه الله من الخيرات فكفر بنعمة الله ولذلك كل إنسان حينما يرد الخير إلى نفسه ويقول أنا فعلت بيدي ولو لم تكن يدي في هذا الأمر لما صار، فيكون قارونيّ الفعل لأن قارون قال: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي (78) القصص) مثلما يفعل الناس اليوم حينما يذكر نعمة يقول مستورة والحمد لله ويقبل يده ظاهرًا وباطنًا وكأنما يقول قد سُترت بهذه اليدّ، يقبلها لأنها هي التي جاءت بهذا الخير وهذه قارونية الفعل فقد قال قارون (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) أي بيديّ وأنا الذي فعلت وفعلت. وقد قلنا: من اعتمد على علمه ضلّ ومن اعتمد على سلطانه ذلّ ومن اعتمد على ماله قلّ ومن اعتمد على جسمه كلّ ومن اعتمد على عقله اختلّ ومن اعتمد على الله فلا قلّ ولا ملّ ولا ضلّ ولا اختلّ فتوكل على الحيّ الذي لا يموت وسبّح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا. فلما قال الرجل انظر إلى مزرعتي أنا الذي فعلت فيها ولئن تقوم الساعة ولا ينتهي ما في هذه المزرعة - وهذا الكلام نحن نقوله اليوم – نقول فلان عنده الذي يعيش منه أبناؤه وأحفاده ونسينا أن الله تعالى أمره كلمح البصر (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) القمر) قد يأتي الله على كل ما يملك بين عشية وضحاها فيكون غنيًا فيمسي فقيرا. فالرجل نسي نفسه وقال (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) أي تقوم الساعة ولا ينتهي ما فيها من الخيرات لكثرة ما أُعجب بها ونسي نفسه ولذلك قالوا:

نسي الطين ساعة أنه طين حقير فصار عربد

وكسى الخزّ جسمه فتباهى وغوى المال كيسه فتمرّد

يا أخي لا تمل بوجهك عني أنا لست فحمة ولا أنت فرقد

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل