فروق لغوية: خدع - غرّ

فروق دلالية بين خدع وغرّ

من معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم

د. محمد داوود

خَدَعَ ـ غَرَّ

• أصل مادة "خ د ع" فى اللغة: الخفاء، ومنه المِخْدَع، وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير، والمِخْدَع: الخِزانة. ثم أُطلِقَ الخَدْع والخِدَاع على إظهار المرءِ خلاف ما يُخْفِى [1].

• وأصل مادة "غ ر ر" فى اللغة: النقصان، ومنه قولهم: غَارَّت الناقة تَغَارُّ غِرَارًا، أى نقص لَبَنُها، ومن هذا المعنى أُخِذَ قولهم: غَرَّه غَرًّا وغُرْورًا وغِرَّةً، أى انتهز غفلته فَخَدَعَه؛ لأن ذلك من نقصان فطنة المغرور[2].

وعلى ذلك يمكننا أن نقول: إنَّ الخداع فِعْلٌ يَظهَر فيه ذكاءُ الخادِع وفطنتُه وقدرتُه على إخفاء شىءٍ وإظهار غيره.

أمَّا الغرور فهو فعل تَظْهَر فيه غفلةُ المغرور ونقصان فطنته.
فالفرق بين الفعلين أنَّ الخداع يعتمد على ذكاء الخادع، بينما الغرور يعتمد على غفلة المغرور.

وقد وردت مادة "خ د ع" فى القرآن الكريم خمس مرَّات، فى الآيات التالية:
- {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} البقرة/9.

- {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} النساء/142.

- {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} الأنفال/62.

قال الزمخشرى: الخَدْع: أن يُوهِمَ صاحبَه خِلافَ ما يريد به من المكروه، من قولهم: ضَبٌّ خادِع، إذا أدْخَلَ الصائد يده فى باب جُحْرِه أوْهَمَهُ إقبالَه عليه ثم خرج من باب آخر ... والمراد بمخادعة المنافقين إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ظنًّا منهم أن هذا الصنيع الماكر يجوز على الله عز وجل، فردَّ عليهم بأنهم ما يخدعون إلا أنفسهم حيث يُمَنُّونها بالأباطيل[3].

والخِداع فِعْلٌ ماكِرٌ يريد به فاعلُه أنْ يُوهِم غيره فيُظهِر له حسنًا ويخفى قبيحًا.

وأمَّا مادة "غ ر ر" فقد تكررت فى مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ومن شواهدها:
- {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} آل عمران/24.

- {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} الأعراف/22.

- {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} لقمان/33، فاطر/5.

الغُرور: الغفلة التى تؤدِّى بالإنسان إلى إضاعة ما يجب عليه، أو الوقوع فى ما حُرِّم عليه[4].
والغُرور غفلة ونقصان فى الفطنة؛ لأنه: سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع[5]، وهو باطل[6].

ومن هنا جاء الخداع وصفًا لفعل المنافقين والكافرين ومجازاة الله لهم على هذا الصنيع، وتحذيرًا للنبى صلى الله عليه وسلم من الوقوع فى حبائلهم، فهم يظنُّون أنهم أهل فطنة وذكاء.

بينما جاء الغرور فى سياق التحذير من الغفلة والانسياق وراء زينة الحياة الدنيا، وحِيَل الشيطان، والشهوات، والأمانى الباطلة.

• ونخلص مما سبق إلى أن لفظى "الخداع ـ الغرور" بينهما تقارب دلالىّ؛ حيث إنهما يشتركان فى معنى عام هو الوقوع فى الشر، ويختص كل منهما بملمح دلالى يميزه عن الآخر:
• فالخداع يعتمد على ذكاء المخادع.
• والغرور يعتمد على غفلة المغرور ونقص فطنته.

**************************
http://www.bayanelislam.net/view.aspx?ID=991

[1] مقاييس اللغة، اللسان، مفردات الأصفهانى (خ د ع).
[2] مقاييس اللغة، اللسان، مفردات الأصفهانى (غ ر ر).
[3] الكشاف 1/170: 174 (بتصرف واختصار)، وانظر: البحر المحيط 1/52، التحرير والتنوير 1/274.
[4] القرطبى 19/161، بصائر ذوى التمييز (غ ر ر).
[5] التعريفات للجرجانى، ص167؛ إحياء علوم الدين 3/400.
[6] الكليات، ص663.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل