تطبيق برنامج تدبر القرآن الأسبوعي لسورة الكهف - الأسبوع السابع عشر

تطبيق برنامج تدبر القرآن الأسبوعي لسورة الكهف

تأملات الأسبوع 17

إعداد صفحة إسلاميات

(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَ‌ ٰهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴿٥﴾) رسمت كلمة (أَفْوَ‌ ٰهِهِمْ) في آية سورة الكهف بدون ألف وهذا الموضع ليس هو الوحيد الذي ورد في القرآن للكلمة مرسومة بدون ألف. فقد وردت في القرآن الكريم في 12 آية كلها مرسومة بدون ألف ما عدا آية سورة النور (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴿١٥﴾) في حادثة الإفك رسمت الكلمة بالألف (بأفواهكم).

وآية سورة الكهف كأنها تشير إلى أن هؤلاء الكاذبين ليسوا بحاجة أن يجهروا بكلمة الكفر بملء أفواههم فهم حتى لو همسوا بها أو حركوا بها شفاههم سيكون وزرها عليهم ولعله لذلك رمت كلمة أفواههم بدون الألف (أَفْوَ‌ ٰهِهِمْ) والله أعلم.

ومما ذكره د. سامح القليني في كتابه الجلال والجمال في رسم الكلمة أن التشديد واضح في هذه الحالة وهي حادثة الإفك وما لها من الجُرم الفظيع وما أحدثته من الزلزال الرهيب الذي كاد أن يقضي على الدعوة الإسلامية لولا فضل الله تعالى ورحمته بالأمة. وقال الله عنه (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) والسورة كلها وردت خصيصًا لهذا الغرض وللتشريع أيضًا من أجله. والعقوبات التي ترتبت على الذين ارتكبوا حادثة الإفك أبشع العقوبات واللعنات (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴿٢٥﴾ النور) وهذه العقوبات الشديدة لم ترد حتى على أفظع الكبائر كالقتل وغيرها. فتأثير هذا الحديث الهادِم الذي ارتكبوه (بأفواههم) والذي كاد أن يهدم الإسلام لم يكن ضرره مقصورًا عليهم فقط وترتيب العقوبات الشديدة عليه يرينا السبب في التركيز العالي على هذا القول ورسم الكلمة بالألف (بأفواههم).

ومن التأمل في الآية وسياقها لعل الألف جاءت وصفًا لأفواههم التي كانت مفتوحة لنقل هذا الحديث الفظيع بدلالة أن الآية عبّرت تلقي الخبر بالألسنة بدل الآذان ليدل على أن حديث الإفك هذا لم يمر على سماعهم ولم يتثبتوا منه وإنما أطلقوا ألسنتهم به وكأنها هي التي أخذت وظيفة السماع من الأذن وهذا فعل من لا يفكر بما يسمع وإنما يكون همّه في نقل الكلام الذي يسمعه بأقصى سرعة إما جهلًا وعدم إدراك أو قصدًا لإشاعة حديث كاذب كما هو الحال في حديث الإفك.

أما كلمة (أفواههم) في آية سورة الكهف وباقي المواضع التي وردت فيها الكلمة مرسومة بدون ألف فالحديث فيها لم تصل خطورته إلى خطورة حديث الإفك الذي جاء في آية سورة النور. هذه المواضع والآيات وما تحكيه من جرائم فإن جرمها على صاحبها بكفره أو إيمانه وهم ضعفاء بنفاقهم أيضًا ولذلك كُتبت على صورة مخالفة وأقل في مبنى الكلمة حيث حذف منها الألف.

الآيات التي رسمت فيها كلمة (أفواههم) بدون الألف:

(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَ‌ ٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴿١١٨ آل عمران﴾)

(يَقُولُونَ بأَفْوَ‌ ٰهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴿١٦٧ آل عمران﴾) الحديث في آيات سورة آل عمران عن منافقين ضعفاء.

(جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَ‌ ٰهِهِمْ ﴿٩ ابراهيم﴾)

(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَ‌ ٰهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴿٥ الكهف﴾)

(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَ‌ ٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ﴿٦٥ يس﴾)

(لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بأَفْوَ‌ ٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ﴿٤١ المائدة﴾) الحديث عن منافقين ضعفاء.

(يُرْضُونَكُمْ بأَفْوَ‌ ٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨ التوبة﴾)

(وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بأَفْوَ‌ ٰهِهِمْ ﴿٣٠ التوبة﴾)

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بأَفْوَ‌ ٰهِهِمْ ﴿٣٢ التوبة﴾)

(مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بأَفْوَ‌ ٰهِكمْ ﴿٤ الأحزاب﴾) الآية تتحدث عن موقف تشريعي هادئ فهو عن ظهار يقع بين رجل وامرأته وهو أهون وأهدأ آلآف المرات من حادثة الإفك.

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بأَفْوَ‌ ٰهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴿٨ الصف﴾)

 ************************************************

 في قصة صاحب الجنتين والحوار الذي دار بينه وبين صاحبه يلفت النظر استعمال كل واحد منهما لأسماء الله الحسنى التي ورد في السورة. فسورة الكهف تكرر فيها ذكر اسم الجلالة (الله) وكلمة (رب) ولم يرد فيها غير هذين الاسمين على طول السورة. ولعل هذا يدل والله أعلم على أن سياق السورة بين رحمات الربّ الرحيم وبين علم الله الجليل وحكمته البالغة في كل أحداث السورة. فصاحب الجنتين الذي اغتر بما أنعم عليه ربه من عطاءات ربوبية ذكر في حواره لفظ (الرب) فقط فقال (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾) فأنكر قيام الساعة أي أنكر يوم البعث وهذا من أدلة الألوهية لأنه كان يتطلع فقط إلى عطاءات الربّ المنعِم بالرزق والبساتين والأنهار والنخيل والزرع ولم ينسب النعمة للمنعِم وإلا لذكر في كلامه لفظ الجلالة (الله). أما صاحبه المؤمن الذي كان ينصحه ويذكّره ورد في حواره معه لفظي (الله) و(الربّ) لأنه كان يذكّره بالألوهية والربوبية معًا فقال له وهو يحاوره (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٣٨﴾ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴿٣٩﴾ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿٤٠﴾) فكرر تذكيره بالله ثلاث مرات ثم ذكر له أن الذي أعطاك سيعطيني عطاء ربوبية فقال (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا). هذا والله تعالى أعلى وأعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل