علّمه البيان - سورة الكهف - 2

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

سورة الكهف - 2

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

لا زلنا في سورة الكهف تلكم السورة التي تحمل العجب العجاب مع أن القرآن كله يحمل العجب العُجاب. وسورة الكهف بدأت بالكهف يتكون من ثلاثة أحرف وهذه السورة من أسرارها لا تخرج عن ثلاث قضايا. وأصحاب الكهف هم الفتية الذين باعوا أنفسهم ليرفعوا كلمة التوحيد وكان عددهم سبعة. وقد قال سبحانه مخبرًا عن ذلك (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) كأن هذا الكلام غير صحيح، (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) والعرب تؤكد الثمانية دائمًا بالواو وتسميه بعض العرب بواو الثمانية لأن الواو عند علماء العربية لا يخرج عن ثمان معان:

فواو الاستئناف والحال ارتفع ... تاليهما: كسرتُ والنجم طلع

وواوي الجمع ومفعول معه   تاليهما انصبه كزرت والسَعة 

وبعد واو الجمع أيضا انتصب ... مضارع مسبوق نفي أو طلب

وجر تالي واو رب والقسم ... نحو: وخِلٍّ زار والله فنم

وعاطف ما بعده موافق ... ما قبله وزائد مرافق

وقال هذه الواو للثمانية وهذه هي الواو التي نحن بصدها ويقول الإمام الزووي الجزائري: وقال أي جماعة هذه الواو للثمانية مثل واو الكهف (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) وكذلك جاء في القرآن (ثيبات وأبكارا) (عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)) في سورة التحريم فيسمونه واو الثمانية. وقال جماعة هذا الواو للثمانية

وقال هذا الواو للثمانية ... جماعة وما اللبيب راضيه

لكن المعتدين من أهل النحو لا يعتبرون هذه الواو واو الثمانية.

(وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) فقيل لابن عباس كم عدد أصحاب الكهف؟ فقال: هم سبعة (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٢٢﴾ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ﴿٢٤﴾). قال: الله تعالى يقول (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) وأنا من هؤلاء القليل فبيّن ابن عباس على أنهم سبعة. وكأن سر القصة الذي يحمل العناء ويحمل الشدة ويحمل الخوف لهؤلاء الفتية فكان عددهم سبعة. والسبعة هذا الرقم يحمل الشدة والعناء بينما أن رقم ثمانية يحمل الراحة والرخاء، من أبواب الجنة ثمانية والطعام ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ولما كانت رحمة ربك سبقت غضبه (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) الحاقة) وأهل الجنة يدخلون الجنّة بثمان: يدخلون في طول آدم وعمر عيسى وجمال يوسف وخُلُق محمد وتدخل عليهم أربعة حتى يستكملون العدد ثمانية يشبوا فلا يهرموا يصحوا فلا يمرضوا يحييوا فلا يموتوا ثم يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا. إذن يدخلون بأربع وتدخل عليهم أربع دل ذلك على أن رقم ثمانية يحمل الخير دائمًا قد علمنا منه شيئًا وغابت علينا منه أشياء.

(وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) فلما جاء رقم ثمانية كان أصحاب الكهف قد ارتاحوا من عناء ما كانوا يفكرون فيه ويحسبون له ألف حساب فنجوا من بطش ملك ذلك الزمان ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، فنجوا من كل ما كانوا يحسبون له ألف حساب. فهؤلاء هم أصحاب الكهف

ثم تنتقل القصة لأن القرآن الكريم ينقلك من طور إلى طور، ثم قال (لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴿٣٣﴾) هذه النعمة إذا أفاضها الله على المؤمن قد يبغي لكنه لا يطغى ومن ثمّ فإن هذا المؤمن أفاضل الله عليه من النعم بدليل (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾) فصاحبه عرف أنه قد كفَر كُفر نعمة (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾). هذان الرجلان كانا في شركة قد ربحوا في تجارة على ستة آلآف دينار فاقتسماها ثم لقي الرجل صاحبه فأحدهم أخذ ماله وبدأ يفكر ماذا يفعل به أما الثاني فقد افتتن بماله فلقيه صاحبه قال: ما فعلتَ بمالك؟ قال: لقد مات الملك الفلاني وتزوجت امرأته بألف دينار فلما سمع من صاحبه ما سمع أخذ الألف وضعها بين يديه ثم صلّى ما شاء الله له أن يصلي ثم قال يا رب إن صاحبي وشريكي قد تزوج امرأة ملك وغدًا يموت ويتركها أو تموت وتتركه اللهم إني مشتر منك بهذه الألف من الحور العين في الجنة فلما أصبح أخذ يوزعها في سبيل الله حتى أتى عن آخرها. فلقي صاحبه مرة أخرى قال: ما فعلت بمالك قال قد اشتريت قصرًا بألف دينار فوضع الرجل في الليلة نفسها الألف الثانية وقال يا رب إن أخي وصاحبي قد اشترى قصرًا وإني مشترٍ منك بهذه الألف قصرًا في الجنة فلما أصبح لم يترك منها شيئا في سبيل الله إلا وأعطى. فلقي صاحبه قال: ماذا فعلت بالألف الثالثة؟ قال لقد اشتريت بها بساتين ومزارع وغنم وخيل وإبل فلما كان من الليل قام يصلي ثم وضع الألف الثالثة بين يديه وقال: يا رب إن صاحبي قد اشترى بساتين وأنهارا في الدنيا وإني مشتر منك بهذه الألف الأخيرة بساتين في الجنة فلما أصبح تصدق بها في سبيل الله. فمرّت السنين وافتقر هذا الرجل فجاء يبحث عن صاحبه الذي اشترى القصر والبساتين لعله ينفعه بشيء وهذا كان في ملة بني إسرائيل أن يخرج الرجل من ماله كله وهو ليس مشروعا في ملة محمد صلى الله عليه وسلم فكان إذا جاءه رجل بماله كله يقول له: ألك غيره فإذا قال لا قال إليك نصفه وإذا قال نعم قبله منه. لما نزل قول الله تعالى (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92) آل عمران) بالطبع جاء أبو بكر بماله وجاء عمر بنصف ماله وجاء أبو الدحداح وكانت له مزرعة فيها نخيل وماء فقال يا رسول الله إني تصدقت ببستان بيرحاء فقال ألك غيره؟ قال نعم، قال قبله الله منك، فذهب إلى امرأته وقال يا أم الدحداح اُخرجي فقد تصدقت بهذه المزرعة لله ورسوله، فقالت ربح البيع يا أبا الدحداح وخرجت المرأة ولم تسأل عن شيء لأنها علمت أن هذه المزرعة سيجدون أضعافها عند رب العالمين، وقد ذهب أبو الدحداح وذهبت امرأته فوجدوا ذلك عند الله لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. فقصة أصحاب المزرعة هاته لما جاء  يريد أن يخدم ويشتغل معه فطرده الخدم والحشم وقال إن كان ولا بد فانتظر حتى يخرج الصباح وكلِّم صاحبك فنام الرجل حتى إذا كان الصباح لقي صاحبهما حتى ما إن رآه صاحبه حتى عرفه فقال: أي فلان ما فعل الله بك؟ وأين الذي كنت تملك من المال؟ لم أر أثر المال على وجهك وعلى حالك؟ قال لقد تصدقت في سبيل الله فقال أنت مجنون؟! أعطيت كل مالك وجئت تسأل العمل والعطاء؟ قال هذا الذي كان فقال له ما نقل القرآن عنهما، انظر إلى مزرعتي انظر إلى كذا (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾) دل ذلك أن الرجل مؤمن لكنه يميل إلى الربوبية وقد ابتعد ونأى عن الألوهية لأن الألوهية تكليف والربوبية عطاء وتشريف فلم يقل الله ربي وإنما قال (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي) بينما ذلك المؤمن كان يجمع بين الأمرين فقال له مجيبا وردّا عن سؤاله (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) يعني أنا متكلف واسأل العطاء أما الثاني فكان مقتصرا عن لفظ الربوبية لأنه قال (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾)

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل