علّمه البيان - سورة الكهف - 1

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

سورة الكهف - 1

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

نحن بصدد سورة الكهف التي تحمل من الأخبار العجيبة لقوله تعالى (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: 120] تلكم السورة التي كانت تحمل القضايا الثلاث ولم تخرج قضايا هذه السورة عن ثلاث: فإن قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح لم تخرج عن ثلاث: السفينة، الغلام، الجدار، وإن ذا القرنين لم يذكر الله تعالى تحركاته إلا في ثلاث: مغرب الشمس ومشرق الشمس وبين الصدفين وبدأ الله بعدد أهل الكهف برقم ثلاث (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ). وفيها تعليم للمصطفى صلى الله عليه وسلم حينما قال للسائلين عنها سأجيبكم غدًأ يوم أن سألوه عن الفتية الذين غابوا في الزمن الماضي فقال سأجيبكم غدًا فتأخر الوحي عنه خمسة عشر ليلة فضاق صدره من ذلك وكان ينتظر العتاب من ربه فأنزل الله عليه ما يثلج صدره (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴿٢﴾ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴿٣﴾ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴿٤﴾).

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾) فأخبره بقصة أصحاب الكهف ثم وضع العتاب داخل الخبر بعد أن أثلج صدره وقد كان ينتظر العتاب (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) فلما عاتبه فقال (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ﴿٢٤﴾)، قال إذن الآن ندخل في المهم فقال (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴿٢٥﴾) إنما وضع العتاب في وسط الخبر وإخباره. فلذلك هذه السورة تحمل التربية والتعليم والإشارات وهذا إن دل يدل على إعجاز القرآن الكريم وكم حملت من الإشارات البيانية في هذه الآيات من سورة الكهف ومن ثمّ ربنا بدأها بالحمد لأنها سورة تعليمية. وما من سورة بدأت بالحمد لله إلا وتحمل نعمة كبيرة لبني البشر وقد مرّ الكلام على أن السور التي بدأت بالحمد لله خمس سور أولها الفاتحة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾) لأنها تعظّم الربّ وفيها الاستقامة. جاءت من بعدها سورة الأنعام وهي تحمل نعمة الخَلْق (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١﴾) ثم جاءت سورة الكهف التي تحمل العلم فبدأت بالحمد لأن العبد يحمد الله على العلم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾). ثم جاءت بعدها سورة تحمل الرزق وهي سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١﴾) وفيها (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴿١٥﴾). ثم جاءت بعد ذلك سورة تحمل الحفظ لأن العبد إذا خلقه الله في أحسن خلقة وعلمه أحسن تعليم ورزقه من أحسن الأرزاق فهاهنا يحتاج إلى حفظ من عين الإنس والجن فكانت سورة فاطر تحمل الحفظ والحفظ يتم من الله بواسطة الملائكة (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾). إذن فهذه السور الخمس بدأت بـ(الحمد لله) ونحن دائمًا نقول "الحمد لله رب العالمين" وسميت الفاتحة بالفاتحة لأنه بدأت بالحمد وهي فاتحة الكتاب والمصطفى صلى الله عليه وسلم لما تأخر عنه الوحي ضاق صدره فكأن الله تعالى أدّب نبيه بقوله: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ). وربنا يسمي أخطاء الأنبياء نسيانًا تأدبا فلم يقل استغفر إذا أخطأت، فلما كان المخاطب نبيًا قال (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) والنسيان إذا أضيف للأنبياء يراد به أنهم أخطأوا كما قال الله في حق آدم عليه السلام (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) طه) يعني أخطأ ولم نجد له عزما، والعلماء يسمون أخطاء الأنبياء تسمية أخرى إذا صدر خطأ من النبي يقول العلماء: "قال خلاف الأولى أو فَعَلَ خِلاف الأولى" تأدبًا مع الأنبياء وربنا يسمي خطأ الأنبياء نسيان فقال للنبي (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ). فبدأت السورة بالحمد فقال (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) ولم يقل على نبيه أو على رسوله لأن الرسالة أعلى تكليف والنبوة أفضل تشريف لكنه خاطب نبيه بشيء أعلى من النبوة ومن الرسالة وهي العبودية لأن الله تعالى كلما أراد أن يرفع نبيًا رقّاه إلى منزلة العبودية فقال في محمد صلى الله عليه وسلم (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾ الإسراء) (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾ الكهف) (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴿٩﴾ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴿١٠﴾ العلق) (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿١٩﴾ الجنّ) (فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10) النجم) ولم يذكر الله اسم العبودية للمصطفى صلى الله عليه وسلم إلا في خمس مرات وكأنها بعدد الصلوات الخمس لأن العبد تتحقق عبوديته حينما يضع أنفه في التراب فيكون عند ذلك أقرب إلى ربه من أيّ شيء (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ). وهذا الوسام قد أعطاه الله إلى نوح عليه السلام حينما انتهى من قومه فأخذ وسام العبودية وكأنه وسام الخدمة النهائية (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴿٩﴾ القمر) وقد أعطاه للمصطفى صلى الله عليه وسلم حينما أنهى خدمته من مكة ورفعه إلى السموات السبع فأعطاه وسام العبودية هذا وهو الوسام الأعلى فقال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) ذلكم الوسام هو أعلى الأوسمة التي يعطيها الله أنبياءه وعباده الصالحين وقد قال في الأنبياء (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) ص) بينما يأتي لفظ العبودية للمصطفى صلى الله عليه وسلم مجرّدًا لشرفه (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ) (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) وفي نوح (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) إذن هذا وسام راقي. فقال في سورة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) لأن هذا مقام التعليم فأخذ وسام العبودية. (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) وكانت هذه في الفترة المكية حينما بدأ المصطفى صلى الله عليه وسلم يعلّم أمته ويعلّم العرب قاطبة معالم التوحيد أمور العقيدة وتلكم الأمور من أشد الأمور تعليمًا في ذلك الزمان لأن قريشًا تعرف الله معرفة سطحية، تعرف الله في الشدائد وتتركه في الرخاء. هذا وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل