نظرات في سورة الكهف - الحلقة 20

نظرات في سورة الكهف - الحلقة 20

د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

رأينا في حلقة سابقة جدل الإنسان وكيف أنه أكثر شيء جدلاً وكيف أن جدله يعرقله هو ويُدخله في النار هو. أنت اخترعت أساليب المنطق لتدفع الحق وكان ينبغي أن هذه المواهب والفكر والذكاء أن يستخدم لنصرة الحق والذود عن حياض الحق فقمت أنت تحارب الحق! الحق هو الله والحق ينتسب إلى الله ولا يمكن لشيء ينتسب إلى الله واحد يستطيع أن يتغلب عليه!. 
ثم لم يكتف بهذا الموقف بل اتخذ آيات الله هزواً ومجال للتنكيت والسخرية (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ) ربه الذي يربيه ومع هذا يطعن قضية الإيمان التي هي دين الرب الذي يربيك تحاول أن تحاربه وتصد عنه، فمن أظلم من هذا الذي ذُكّر بآيات ربه؟! إن مِنْ كُتب، إن مٍنْ رُسُل، إن من حوادث، ما تراه حولك من حوادث يُذكّر الصخر! 
(فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) عملتَ ونسيت لكن الله تعالى لا ينسى كل خطرة مسجّلة وكل فكرة مسجلة وكل نظرة مسجلة كلها مسجلة في كتاب لا يغادر لا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأثبتها وسجّلها وقيّدها عليك فاعمل ليكون الحساب لك لا عليك أيها العاقل!
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) قدمت يداه أي عملت عملها تراه قدّامها. 

(إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أغلفة وأغطية (أَنْ يَفْقَهُوهُ) أي فلا يفقهوه، أكنة تحول دون الفقه والفهم والهدى ويظل الإنسان بعدها مسؤولاً مكلّفاً وملتزماً بما حُمّل؟! نعم، الأكنّة على قلبه جُعلت جزاءً لا ابتداءً، الأكنّة جُعلت بعد إعراض واثنين وثلاثة وألف! 

(أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا) سلّم يا رب! الوقر، أوقر الدابة أي حمّل عليها حملاً ثقيلاً أوقر ظهرها بمعنى أثقلها، ووقر في السمع أي لا يسمع الحق، هو يسمع أما الحق فلا يسمعه والسمع كأنه ما خُلق إلا ليسمع الحق وأنت تسمع كل شيء إلا الحق! الله سبحانه وتعالى أعطاك مواهب تمكنك من السمع ومن الفهم ومن الاعتبار وأنت الذي أقفلت ووقفت أمام جدار مغلق فلا تلومنّ إلا نفسك. 
(وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) أبداً هنا لا تعني مطلقاً وإنما أبداً بمعنى ما داموا على هذا الحال. عمر رضي الله عندما جاء يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقتله يقول قائل هذا لن يهتدي لكنه غيّر ما بنفسه فاهتدى. (أبدا) إن دمت على هذا الحال وهذا المنوال وإن غيّرت غيّر الله ما بك (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ(11) الرعد) 
(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) غفور غفر ستر يغفر الذنب يستره كأن شيئاً لم يكن من المِغفر الدره الذي يستتر به الإنسان. الغفور ستار العيوب، ذو الرحمة الواسعة (لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) لكن الله سبحانه وتعالى لا يأخذ الناس أولاً بأول لكنه يعطي الناس فرصة لكننا نحن نستعجل، متى يا رب؟! لو ربك تعالى يعجّل للناس سنندم لأن أمة محمد كانت أبيدت، لأنه جاء علينا زمان في مطالع القرن العشرين كان الدين أغرب من غريب فلو ربنا عجّل العقوبة لذهبت أمة الإسلام كلها لأننا أعرضنا عن الله في مطلع القرن الماضي ثم بدأ الوعي الديني يعود وبدأت الناس ترجع إلى الجادة واحداً واحداً والآن بفضل الله تعالى تاريخ الدين معمور. في زماننا في القرن الماضي كنا غرباء كنا نتكلم بالدين ويستغرب الناس كأننا جئناهم من كوكب آخر فلو أن الله يُعجّل لمسحنا جميعاً فله الحمد أنه لا يعجل بعجلتنا سبحانه.

(لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا) لهم موعد، كل شيء عند ربنا بمقدار، كل شيء له موعد إذا جاء الموعد لا مصرف، لا مهرب، لا ملجأ، لا مغارة تأوي إليها، إذا بدأ الأخذ كله مكشوف لا شيء تحتمي به من الله عز وجل فعدم تعجيل العذاب حكمة. هذا خلود في جهنم فالله تعالى يعطي الناس فرصة، بعض الناس يظلموا ويظلموا ويقتلوا الناس إلى متى يا رب؟! لا تنسَ أن هذا ينتظره خلود في جهنم فليأخذ فرصته (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(45) القلم) مثلهم مثل المحكوم عليه بالإعدام يُحضرون له الفاكهة وما يطلبه لكنه سيُعدم في النهاية. الحضارة الغربية محكوم عليها بالإعدام لأنها عدوة الإنسانية والعدل تظلم وتنهب الثروات لكن الله بالمرصاد لئم قصّر المسلمون فالله لا يتجاوز عنهم. 

(بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ) الموعد مكررة في السورة (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59)) 

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ(60)) قصة موسى مبنية على الموعد، انظر الربط بين الآيات فالقرآن مربوط ومحكم الحبك. إذن لهم موعد بنزول العذاب لن يجدوا من دون هذا الموعد موئلا لا تأخير ولا تأجيل (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) لما ظلموا اي عندما ظلموا. (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا(58) الإسراء) عذاب الظالمين حتمٌ، أخذهم مقضي، عقابهم لازم لا فكاك ولا فرار ولا محيص ثق بربك أنه لن يترك هؤلاء سدى ولا هملاً بل لهم موعد. المشكلة ما بين الآن اللحظة الراحة وما بين مجيء والموعد اختبار اليقين (أتصبرون)؟ أتصبرون على إسلامكم حتى تنقضي المهلة؟! هذا هو الامتحان.


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل