نظرات في سورة الكهف - الحلقة 19

 
نظرات في سورة الكهف - الحلقة 19
د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴿٥١﴾ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا ﴿٥٢﴾ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ﴿٥٣﴾ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴿٥٤﴾ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ﴿٥٥﴾ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴿٥٦﴾)

عرفنا في الآيات السابقة في قصة آدم وإبليس أن إبليس ليس من الملائكة بل هو من الجن، ذكرها القرآن مرة واحدة في هذا الموطن فقط مكتفيًا به، ولا داعي لتكرارها كل مرة، أخذنا المعلومة ونمر بها عل كل قصة آدم في القرآن الكريم، لا داعي لنكرر كل مرة أن إبليس من الجن، نقول هذا لمن يقول أن إبليس كان طاووس الملائكة وهذا كلام باطل ليس له مستند ولا دليل. لماذا اختار لقطة السجود فقط من كل قصة آدم؟ قمة الكرامة وعنوان الكرامة أن يا من جعلتك في قمة الكرامة وسنّمتك ذُرى المجد كيف تقبل أن تكون عبدًا لعدوك؟!! جعلت أرقى مخلوقات الكون، الملائكة تسجد لك وأنت تسجد لغيرك؟! ولعدوك الشيطان؟! لذلك اختار هذه اللقطة (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) بئس هذا البديل بدلًا، هل يأخذ أحد الشيطان ويترك مولاه الرحمن؟ إلا من سفه عقله وجُنّ!!.

(مَا أَشْهَدْتُهُمْ) هؤلاء المزعومون أنهم أنداد (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) الشياطين أيتخذهم رب العالمين عضدا؟! عضد اليد، أيتخذهم مساندًا يتقوى بهم وهو مولانا القوي المطلق؟!! ولو فرضنا جدلًا أن الله تعالى يتخذ عضدًا لا يتخذ المضلّين لأن الله هادي العالمين سبحانه، أفيتخذ المضلين سندًا وعضدًا؟! معاذ الله! هذا رد على كل من اتخذ الشياطين أولياء دلالة أنهم اتخذوهم محادة لله، معاندة لله، محاربة لله، مشاقّة لله، معادين عن بصيرة وعن بينة الله رب العالمين، لا يمكن أن يقول أحدهم لم أكن فاهمًا! لا، تركك الله على بينة على جلاء لا يقولنّ أحد يوم القيامة لم أكن فاهمًا، الهلاك عن بينة والنجاة عن بينة (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ (42) الأنفال) لا أحد يدفن رأسه في الرمل ويقول لم أنتبه! انتبه، الله سبحانه وتعالى واحد ليس له شريك. سيقولون: لكن القوة الآن بيد بعض الدول! القوة لله والله يمتحنك بأن جعل بعض أسباب القوة ببعض الأيادي القذرة لا تتخذهم آلهة، اعتقد دائمًا أن للكون رب واحد، ما يتخذ الله عضدا من الكافرين والجاحدين والمضلين لا يتخذهم مولانا سندًا ولا عضدا، مولانا مستغنٍ عن كل أحد.

(وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) نادوا شركائي الذين زعمتم، فدعوهم يا شركاءنا ساعدونا فلم يستجيبوا لهم، ضاع صوتهم في التيه، لا أحد يجيبك يوم القيامة!!
(فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا) سدّ وقطع وهوّة بعيدة سحيقة لا أحد يسمع أحدًا! لا يوجد شركاء، ينادون على وهم وعلى سراب!

(وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ) عاينوا النار (فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) واقعون فيها (يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) يقولون ظنوا معناها أيقنوا، وأنا أقول ظنوا ليس معناها أيقنوا لأنه لو أراد الله تعالى أن يقول أيقنوا أنهم مواقعوها لقال أيقنوا أنهم مواقعوها وإنما قال ظنوا، الظن مساحة بين حدين، الحد الأول الشك القريب من المطلق، والثاني تخوم اليقين، وما بين المنطقتين هذه منطقة الظنّ ممكن الظن يبتدئ من الحدّ الأول وتمتد مسافته إلى الحد الآخر وكل هذا واقع في منطقة الظنّ. أمور الفكر مساحات، اليقين مساحات، يقيني ويقينك أمام يقين الصدّيق، لا يوجد قياس! إذن كلمة اليقين واحدة لكن مسافات اليقين هائلة جدًا. الشك واحد عنده شك إلى درجة الطمس وآخر عنده شك يمكن أن ينقله إلى حواف الإيمان، هذه منطقة الشكّ.
(فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) ظنًا قريبًا من تخوم اليقين وليس اليقين. هم ليسوا موقنين لأنهم يتأملون إلى اللحظة الأخيرة بعفو الله، برحمة الله، متعلق بحبال السراب والأواهام ولو بنسبة واحد في المائة، متعلق بقشة إلى أن يدخل النار هناك انقطع الشك مطلقًا باليقين مطلقًا، الآن راحت عليهم الفرصة، كان لديهم فرصة أن يؤمنوا في الدنيا، الإيمان في الدنيا وليس في الآخرة، فيزا المرور للجنة الإيمان في الدنيا فاصطحبه معك.

(وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) ليس فيها زحزحة، استقرار.

(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ) شبك الكلمة بالكلمة (مصرفا – صرفنا) نقول تصاريف القدر، صرف العملة يعني المئة جنيه تصرفها قطعا، صرّفنا يعني نوّعنا وكثّرنا، هذا معنى صرّفنا.
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾) (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾) كثر في السورة كلمة (المثل) لكل سورة مفرداتها، قاموسها، معجمها اللغوي.
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴿٥٤﴾) الجدل، ويؤلف قضية منطقية ومقدمات ونتائج!! الظلم موجود؟ يقولون نعم، والله لا يحب الظلم إذن ..، بالقضية المنطقية أنت أضللت نفسك، كالذي علّق حبلًا وشنق نفسه به، أنت جنيت على نفسك (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) ربنا أعطاك عقلًا لتهتدي به لا لتضل نفسك ولا لتضل الآخرين به.

(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ﴿٥٥﴾) ما الذي منع الناس عن الإيمان؟ الشك، بقوا يشكون بوجود العذاب في الدنيا، يقولون مضى علينا في الكفر سنين طويلة ولم يأتنا عذاب إلى الآن؟! قلنا هناك سُنّة الإمهال، هذه فسحة ثم تنتهي الحياة ويأتي عذاب يستأصل. قالوا: لا، إلى أن تأتيهم سنة الأولين. سنة الأولين أن من كذّب عُذّب، من كفر أُخذ، قانون. (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا) مواجهة مباشرة.

(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴿٥٦﴾) يجادل، وما نرسل المرسلين إلا للتبشير والإنذار، في أول السورة البشارة والنذارة وهنا في وسط السورة بشارة ونذارة، نفس المهمة، نفس الوظيفة، (يجادل) ليردوا ويدفعوا به الحق والحق لا يندحر ولا يندثر من فضل الله.

آخر السورة وفي الآيات التالية سيقول ما جزاء الذين اتخذوا آيات الله هزوا.

http://trustartistic.com/view.php?file=natharat+alkahef+%2819%29


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل