نظرات في سورة الكهف - الحلقة 18

نظرات في سورة الكهف - الحلقة 18
د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴿٤٦﴾ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٤٧﴾ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴿٤٨﴾ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴿٥٠﴾)

(الْمَالُ وَالْبَنُونَ) انظروا إلى التعانق، الترابط والتناسق ما بين الآيات، قصة صاحب الجنتين وماله الذي كان معتدًا به الآن القرآن يعلق على القصة وكأن الآيات غير القصصية تأتي من جو القصص، كأن التعقيب جزء من نسيج القصة، لا يمكن أن يكون التعقيب في واد والقصة في واد! هذا قرآن! طالما أن الآية جاءت بعد القصة كما ذكر سابقًا (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) كل الدنيا بما فيها من مال وزينة ومناصب ومراكز، كل هذا كماء أنزلناه من السماء، في الربيع ترى كل شيء متفحتًا مزهرًا وبعد الشهر الرابع في بلادنا كله ييبس ويجفّ أصبح هشيمًا تذروه الرياح منه ما أكلته الماشية ومنه ما احترق من الجفاف.
والآن في نفس الجو (الْمَالُ وَالْبَنُونَ) أيها أهم المال أو البنون؟ البنون أهمّ، لكن يُجمع المال من أجل البنين فقدّم الذي يُجمع ويُحضّر، الإنسان لما يريد أن يتزوج يجمع المال أولًا ثم يتزوج، الزوجة أغلى لكن المال هو العتبة العتبة لإنجاب العيال، إذن (الْمَالُ وَالْبَنُونَ) هذا الترتيب القرآني الذي يسير مع العقل والفطرة والمنطق. 
(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) زهر يزينها لكن هذا الزهر بقاؤه إلى متى؟! الدنيا كالزهر سرعان ما تذبل، الزهرة تكون جميلة تأخذ بالعقول ثم تفقد رونقها وبهاءها وجمالها، وكم من امرأة عجوز كانت في شبابها مثل القمر، كنتُ، وراح! الدنيا هكذا، الدنيا راحت، اشتغل للباقي، الله باق والدار الآخرة باقية، مسكين من رهن نفسه وطاقاته وقدراته بالزائل الفاني، غيّر فكرك واتجاهك.
(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴿٤٦﴾) كم من الناس يستثمر المال ليأتيه في نهاية السنة ربحًا ضيئلًا أما أنت يأتيك مباشرة عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا نهاية من المضاعفة، خير ثوابًا وخير أملًا، تأملك هناك في محله، لكن الأمل بالدنيا من توفير كله قد ينقضي أجله لم يتحقق أمَلُك ولا غيره!
(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ) هذا من الجو، هذا الكون الذي تراه سيتغير والدنيا ستزول والجبال التي هي رمز الثبات في الدنيا ستصبح هباء (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) التكوير) (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) المعارج) الجبال التي هي رمز الثبات في الدنيا يتزول يطيرها الهواء. 
(وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ) يعني مكشوفة، الجبال كانت تمنع عنك الرؤية أما الآن بصرك يرى على مد البصر فلا شيء يمنع عنك الرؤية لا يوجد حوائل، لا جبل ولا تلة ولا مرتفع، البشر كله مثل بعضه والطبيعة كلها مثل بعضها، رجعت الأمور لأصلها.
(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٤٧﴾) بعد أن سويت الأرض كله يُبعث (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) أحصاهم مولانا وعدّهم عدا وكل آتيه يوم القيامة فردا، لا ينسى أحدًا كله سيبعث. (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) هل المقصود عرايا فقط؟ لا، أعدناكم كما خلقناكم أول مرة، المعنى مطلق يدخل فيه عرايا كما خلقتم ويدخل فيه أعدناكم كما خلقناكم (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) منكم فريق مهتدي ومنكم فريق ضال وسترجعوا (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ (104) الأنبياء) كما بدأكم تعودون.
(لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ) إضراب انتقالي (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا) كنتم تزعمون، الزعم غالبًا كلام ليس له مصداق وليس له رصيد من الواقع والتطبيق، بل زعمتم أن لن نجعل موعدًا لأوبتكم، لرجعتكم، لعودتكم إلى الله عز وجل، افتريتم وزعمتم أنه ليس هناك آخرة ولا بعث، فماذا لو كان هناك؟ ستذهب في داهية! ابنِ على المضمون. 
(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾) تكرار الظلم ونفيه عن الله عز وجل. وضع كتاب الأعمال فترى المجرمين خائفين لأن النتائج ظهرت، كالطالب الذي قضى سنته بلا دراسة وجاءت النتائج هل سيكون فرحًا أو خائبًا ومضطرب القلب؟! الإنسان قد يشتغل في الدنيا أي شيء لكنه في الآخرة راسب ليس هناك فرصة أخرى ولا امتحان بديل! ما دامت فرصة واحدة فاحرص على أن تنجح من المرة الأولى.
(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا) يا خسارتنا! يا حسرة علينا (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) لا كلمة، لا نظرة، لا قرش أخذته ظلمًا لا يغادره إلا أحصاها صوتًا وصورة. التكنولوجيا الحديثة سهّلت علينا التصور، كل أعمال الإنسان صوتًا وصورة، شريحة صغيرة يوضع عليها ملايين المعلومات! كيف الله؟! هذا المخلوق وقدرته فكيف الخالق سبحانه؟! أتعجب أن تجد كل ما عملته صوتا وصورة؟! (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) لا يزيد على أحد ولا ينقص من أحد إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيرًا فليحمد الله، توفيق، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه، الله تعالى يوفقك وأنت لم تختر طريق الهدى والتوفيق فلا تلومن إلا نفسك.
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ) دخلنا في قصة ثالثة قصة آدم جاءت في هذه السورة موجزة جدًا وفي قلب السورة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ) لم يختر الأصل الطيني وإنما اختار لحظة التكريم لهذا المخلوق الطيني، كأنه يقول يا أيها المخلوق الذي خلقتك في أجواء الكرامة لِمَ تأخذ نفسك إلى جهنم وأجواء المهانة؟! (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ) ما جعلت الملائكة يسجدون لك وأنا أحب أن أُدخلك النار، وإنما إذا أدخلتك النار أدخلكها بكسب يديك، بسبب تقصيرك وإهمالك وغرورك بهذا تدخل النار، نسأل الله السلامة والعافية والجنة وأن يباعدنا الله تعالى عن النار.
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) أهو من الملائكة؟ القرآن يجيب (لَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) خرج عن أمر ربه (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) مجنون من يوالي عدوه أقصد إبليس! ومطلق، مجنون من يوالي عدوه، عدوك الذي يحفر لك! (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) بهذا تنتهي قصة آدم في آية واحدة. 

http://trustartistic.com/view.php?file=natharat+alkahef+%2818%29



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل