علّمه البيان - سورة يوسف - 8

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

قصة يوسف عليه السلام - 8

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

لا زلنا مع يوسف عليه السلام ذلكم النبي الذي يقول الله في قصته وفي أمثاله من الأنبياء (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (120) هود) وقد قال سبحانه في نفس القصة في السورة نفسها (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴿٧﴾) لأن يوسف هو القضية. فيوسف عليه السلام حينما دخل السجن دخل معه السجن فتيان (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٦﴾). إذن فقالوا نعتقد أنك من المحسنين لِما رأوا من حُسن معاملته مع الكبير والصغير وكان يوسف عليه السلام في أموره وأعماله متوكلًا على الله وكأن لسان حال يوسف عليه السلام يقول:

دَعِ الأيام تفعل ما تشاء         وطِبْ نفسًا إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي          فما لحوادث الدنيا بقاء

وكُن رجلًا على الأهوال جًلْدا    وشيمتك السماحة والوفاء

وإن كثرت عيوبك في البرايا     وسرَّك أن يكون لها غطاء

تستّر بالسخاء فكلُّ عيبٍ        يغطّيه كما قيل السخاء

إلى آخر ما قال الإمام الشافعي.

إذن فيوسف عليه السلام لما دخل السجن وأخرج أمّة من السجن علّمهم وبيّن لهم التوحيد وأشار إلى أمور كثيرة حتى لما رأى الملك سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر استدعى من يأوّل الرؤى فما استطاعوا، فإذا بالخبّاز الذي خرج من السجن قال (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴿٤٥﴾ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٤٦﴾ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ﴿٤٧﴾ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ﴿٤٨﴾ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿٤٩﴾) وقد مرّ الكلام على أن السبعة إذا جاءت في القرآن الكريم يراد بها الشدّة ويراد بها العناء وإن كانت في عبادة وقد تكلمنا أن (سبع سموات شداد) و"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه - وكلها صعبة - إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل تصدّق بصدقة حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ورجلان تحابا في الله" وهذا أيضا صعب، "ورجلٌ قلبه معلق بالمساجد" وذلك أيضًا صعب "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين" وهذا أيضًا صعب فهذه كلها شدائد وإن كانت في الخير. الطواف سبع وهو شديد على الضعيف، رمي الجمار كذلك سبع وهو شديد على الضعيف والمريض، كل ما جاء في القرآن رقم سبعة، فانتبه، وأبواب جهنم سبعة والحيوانات المفترسة (سباع).

قال (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) فلما أوّل لهم الرؤيا أمر الملك أن يأتي به فلما بلغه الخبر قال يوسف عيله السلام (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴿٥٠﴾) فلما دعا الملك النسوة (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٥١﴾) لكن (قلنا) قيلت قبل كما قال النسوة مع زليخاء (وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴿٣١﴾) - (ما هذا بِشِرى) بقرآءة الحسن- يعني لم تشتريه وإنما هذا ابن ملك أُهدي إليك. فيوسف عليه السلام حينما طلب برآءته قبل خروجه من السجن فلما ثبتت برآءته خرج وكان مع الملك مساعدًا له، بل هو الذي كان سببًا في هداية الملك واستقامته ووضع العدل في ذلك المقام، فأغدق الله على مصر من النعم الكبيرة لأن فيها نبي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويسارع في الخيرات، فلما سارع في الخيرات أفاض الله الخيرات على مصر من بين أيديهم ومن تحتهم ومن فوقهم لأنها تحمل نبيًا.

فلما كانت مصر من النعم وأخذت من الخيرات وعلم يوسف أنه قد أقام العدل دخل طورًا آخر وهو طور النهاية لأن الله تعالى بدأ القصة بالإخوة فلا بد أن يختمها بالإخوة. فبدأت قصة يوسف بإخوته هم الذين ضرّوه بل هم الذين جعلوا منه ملك مصر، هم الذين جعلوا منه مستشارا، جعلوا فيه تلك النعم لأنه رب ضارة نافعة. والقرآن من عادته أن يختم بما بدأ فقد بدأ القصة بالإخوة فختمها بالإخوة. ولذلك قال في بداية السورة (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴿٧﴾) بداية مسلسل القصة، هذا عنوانها، فحينما جاء لفظ الإخوة فاعلم أنها نهاية مسلسل القصة، قال (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴿٥٨﴾) فليعلم أولو الألباب أن قصة يوسف ستنتهي أو أوشكت على الانتهاء (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴿٥٨﴾) وجاؤوا يطلبون منه. اعلموا أن المظلوم دائمًا تكون العاقبة إليه فإن المظلوم وإن ظُلم كُن على يقين أن الله تعالى سيعطيه ما حُرم منه، ومن ثمّ يقول الشاعر:

إذا اتخذ الظلم ابن آدم مذهبًا    ولجّ عتوًا في قبيح اكتسابه

فكِلْه إلى صرف الليالي فإنها    ستبدي له ما لم يكن في حسابه

فكم قد رأينا ظالما متجبرًا        يرى النجم تيهًا تحت ظلّ رِكابه

طغى وبغى حتى إذا غرّه البغا   أناخت جميع النائبات ببابه

هؤلاء إخوة يوسف طردوه وأجلوه إلى الصحراء فأبى الله إلا أن يجعله في العزّ والكرم وأن يجعله مستشارًا، لأن إخوة يوسف حسدوه والحاسد إنما يعترض على الله في عطائه لعباده، وفي الحديث القدسي: عبدي أنت تريد وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد فإن أطعتني فيما أريد يسرت لك ما تريد وإن عصيتني فيما أريد أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد. وكان إخوة يوسف قد عصوا الله فيما يريد فأتعبهم فيما يريدون وما كان إلا ما أراد رب العالمين بأن يكون يوسف في مكان أعلى. حسدوا يوسف لأن يكون قريبًا من أبيه، حسدوه بأن يكون محبة لمخلوق واحد وهو يعقوب فأخذه الله وجعله محبوبًا لكل الخلاق، محبوبًا لدولة كاملة وهي مصر، فأخذوه من احتضان أبيه فإذا به احتضنته مصر كلها وكرّم الله به مصر وكرّمه بمصر في ذلك الزمان. إذن فالحاسد يعترض على الله في قضائه وما كان إلا ما أراد الله تبارك وتعالى، فمن حسدك زادك، فإذا كثُر حسّادك فاعلم أنهم يزيدونك من النعم ومن الفضل كما كان ليوسف عليه السلام فدخل مصر وجاء إخوته فعرضوا عليه ما عرضوا وكان الأمر كما أن الله تعالى رفعه في أعلى عليين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل