كيف تقرأ سورة الأنفال - د. عصام العويد

 هدايا رمضان (7) كيف نقرأ سورة الأنفال؟

سورة الأنفال سورة تربية الله للطائفة المجاهدة المنصورة 

د. عصام العويد

كيف نقرأ سورة الأنفال ؟

 

سورة الأنفال ، هذا هو اسمها الأشهر من زمن الصحابة حتى زمننا هذا ، وسميت سورة بدر فعن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس رضي الله عنه : سورة الأنفال ؟ قال : تلك سورة بدر .

وإنما أراد ابن عباس أنها في شأن بدر ، وقد تتابع أهل العلم على ذلك ، فقال ابن العربي عند تفسير قوله تعالى : {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (17) سورة الأنفال قال : هي من توابع ما تقدم وروابطه فإن السورة هي سورة بدر كلها .

وقال الثعالبي : ولا خلاف أن هذه السورة نزلت في شأن بدر وأمر غنائمه .

وقال ابن إسحاق : أنزلت في أمر بدر سورة الأنفال بأسرها .

ونقل ابن عاشور الاتفاق على ذلك في التحرير والتنوير فقال : وقد اتفق رجال الأثر كلهم على أنها نزلت في غزوة بدر .

والأنفال جمع نفل وهو الزيادة على الأصل ، فالغنيمة : زيادة على النصر لأن المطلوب الأول في المعركة النصر فالغنيمة زيادة عليها . وهي نوعان غنيمة وفيء :

الغنيمة : ما يناله المسلمون من عدوهم بسعي وإيجاف خيل وركاب .

والفيء : ما ناله المسلمون من عدوهم من غير سعي ولا إيجاف خيل ولا ركاب .

وهو ضربان : أحدهما : ما انجلوا عنه : أي هربوا عنه خوفا من المسلمين ، أو بذلوه للكف عنهم .

والثاني : ما أُخذ من غير خوف : كالجزية ، وخراج الأرض ، والعشور وهو ما يدفعه تجار الذمة ضريبة على ما يترددون به بين دار الصلح ودار الحرب .

هذه تعريفات عجلى ونعود للسورة

 

فأولاً : حزبها أي "موضعها المكاني من القرآن"

سورة الأنفال داخلة في حزب السبع الطوال باعتبارها هي وبراءة سورة واحدة ، وموضوع حزب السبع الطوال يدور حول ثلث الأحكام فالقرآن ثلاثة أثلاث : توحيد وأحكام وأخبار، وغالب هذه الأحكام تتعلق بالضرورات الخمس : الدين والنفس والعقل والعرض والمال ، وأعظم هذه الضرورات هو حفظ الدين والنفس ، ولايكون ذلك إلا بالجهاد .

 

ثانياً : متى نزلت ؟ (موضعها الزماني)

هي سورة مدنية باتفاق نزلت عقب غزوة بدر التي كانت فاتحة الغزوات في تاريخ الإسلام  وبداية النصر لجند الرحمن حتى سمّاها بعض الصحابة بسورة بدر التي سمّاها الله تعالى في القرآن الكريم بـ (الفرقان) .

وقد سبق في السور الطوال التي سبقت الأنفال أن بيّن الله لنا أركان بناء المجتمع المسلم الذي يريده الله :

ففي البقرة بيّن أنه مجتمع يعظم ويتبع الوحي ولا يروغ عنه

وفي آل عمران بيّن أن شعاره "عرفت فالزم" فلاعمل إلا بعلم ولا علم إلا بعمل

وفي النساء هو مجتمع يدفع الظلم ويأباه خصوصا مع الضعفاء والسفهاء

وفي المائدة بين أنه مجتمع لا ينقض العهد حتى مع الكافر بل يعزر العهد ويعظم شأنه

وفي الأنعام بين أن رحى هذا المجتمع ومرتكزه الأعظم هو التوحيد

وفي الأعراف هو مجتمع حسم أمره ، عرف الحق فتبعه ولم يتردد ، بل قطع كل العوائق دونه

جاءت بعد ذلك الأنفال ، وقد تكون المجتمع المسلم بكافة فئاته وأطيافه وتكونت دولته ؛ فذكرت سنن الله الكونية والشرعية في النصر والتمكين ، لأن هذا المجتمع لابد له من عدو يتربص به ويرقب حين غرة منه فلابد له من قتال يدفع الصائل عنه ، وحامية تذود عن الدين والعرض والأرض .

 

ثالثاً : مقصود السورة :

هو – والعلم عند الله – في سنن الله الربانية والمادية في النصر والتمكين ، وبتعبير آخر هي في : تربية الطائفة المجاهدة المنصورة .

فالنصر سواء كان في جهاد الدفع أو الطلب لا يأتي هكذا بلا تراتيب ، وإنما يحتاج إلى اتباع سنن الله في الأرض ، وهذه السنن على نوعين :

1-       سُنن ربّانية شرعية (وما النصر إلا من عند الله)

2-       وسُنن مادية كونية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)

فلن ينتقل حال الأمة المسلمة من الذل إلى العز إلا بتغيير حال الأمة وفقاً للسنن الكونية والشرعية : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، آية 53.

 

رابعاً : تربية السورة للطائفة المجاهدة المنصورة:

نظمت السورة تأديبها للمؤمنين بتدرج عجب بل معجز لايكون مثله إلا من لطيف خبير سبحانه ، وأعجب ما فيه للمتأمل هو باب التقديم والتأخير ، وهذا هو السر الأعظم في تربية السورة ، فمن بدأ في تربيته الجهادية بما بدأ الله به في (الأنفال) وأخر ما أخره الله في (الأنفال) فقد أفلح وأنجح ، ومن خبط حسب ما يرى بعقله وهواه فقد أقلح أو أكلح . "والقلح صفار الأسنان ونتن الفم"

فأولا : بدأت السورة بذكر سؤال الأصحاب عن الأنفال ، وسميت السورة بـذلك ، فورود هذه الكلمة في الاسم وفي مستهل السورة تنبيه شديد إلى أن حضور مقصود الدنيا حين القتال والاختلاف على الدنيا هو أعظم أسباب الفشل في قتال المؤمنين ، لأن ذلك ينافي التقوى التي هي أعظم أسباب النصر الربانية فكان أول وثاني أمر بدأت به السورة هو بالتقوى واصلاح ذات البين (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) ، وإذا غابت التقوى فالنصر للأقوى .

ثانياً : جاء الشرط في مطلع السورة صريحاً ؛ إن لم تكونوا مؤمنين فلن تحققوا الغاية من قتالكم ، ووصف الإيمان جاء مشروحاً بأمور ثلاثة :

التقوى / وإصلاح ذات البين / وطاعة الله والرسول

كما قال تعالى (فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ، ولتحقيق هذا الإيمان لابد من التحقق بشروط خمسة :

1-       الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ

2-       وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا

3-       وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

4-       الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ

5-       وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

فلا إيمان كاملا إلا بها كاملة غير منقوصة

(أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)  [الأنفال : 4]

ثالثاً : جواب السؤال الوارد في مطلع السورة لم يأت إلا في الآية 41 (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ، وفي هذا تربية للقائد وجنده من وجوه كثيرة منها :

أ‌)         أن السؤال قد يدل المربي على خلل في جنده فليتنبه لذلك ولا يهمله .

 

ب‌)   لايلزم من ورود السؤال من الأفراد الإجابة الفورية عنه ، بل قد يجب تأخير البيان لمصلحة شرعية أدركها المسؤول ، ولايجوز هنا التعنت من السائل وإلزام البيان دون تأخير فهذا خلاف ما أدبت به سورة الأنفال أهل الجهاد .

 

ت‌)   حين حصول خلخلة في الصف أو إنزعاج عام فعلى القائد والعالم أن يذكر بالعهد والميثاق الذي بين القائد وجنده ، وكذا القواعد والأصول التي لاقيام لجهادهم إلا بها قبل المضي في أي نقاش يتعلق بالمسؤول عنه ، ولذا بعد ذكر الله عز وجل للسؤال الذي نشأ عن انزعاج من بعض الصحابة في شأن الغنائم كما نص على ذلك سعد بن أبي وقاص وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم ؛ قال الله مذكرا بالأصل العظيم والميثاق الغليظ بينهم وبين الله (قل الأنفال لله والرسول) أي حكمه لله والرسول فليس لكم إلا السمع والطاعة لهما .

والجند يجب أن يذكروا بضرورة السمع والطاعة في المنشط والمكره وأنه لاجهاد إلا بها ، وأن التخلص من هذا العهد بأنواع الحيل ليس من صفات المؤمنين بل ولا العقلاء المدركين لمآلات الأمور بعد النزاع والشقاق .

 

ث‌)    كل خلل في صف الجهاد فمرجعه لخلل في التربية الإيمانية لدى أهل الجهاد ، فالمؤمن لايخلخل الصف أبدا ولا يوهن البنيان مطلقا ، فمتى لحظ القائد والعالم ذاك في الصف فليعد مباشرة إلى جنده مربياً لهم في قلوبهم وإيمانهم وخشيتهم من ربهم ، ولذا لما حصل ما حصل في شأن الأنفال قال الله للصحابة الكرام في أوائل ما أنزل عليهم في شأن الأنفال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  [الأنفال : 2 - 4] .

 

رابعاً : قسمت السورة أسباب النصر إلى قسمين : رباني ومادي .

وظاهر جدا في سورة الجهاد هذه أن العناية بالسبب الأول أي الرباني هو الأول دوماً لا الثاني فلا يتقدمه شيء ، ومتى دعى داعي الجهاد ولزم القيام إليه على طائفة من الناس فتكون التربية الإيمانية على التوحيد الخالص لله وعلى مكارم الأخلاق والتزام حكم الله مها خالف الهوى ؛ ملازمةً للقيام بالجهاد مصاحبةً له لاتتأخر عنه بحال مهما كانت الأسباب ، ولذ كان من أدب سورة الأنفال للصحابة الكرام أن كان من أول آياتها (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ... ) [الأنفال : 2 - 4] .

بل إن نصف السورة الأول إنما هو في تقريره وبيان صوره وثمرته والتحذير مما يناقضه ، وهذا أوان إيضاحه وبيان كيفية التححق به ونبذ ما يضاده :

 

أ‌)         النصر الرباني :

له صور كثيرة أبانتها سورة الأنفال منها :

1-        أن يختار لك ما تكره وتراه حتفك وهلاك من معك ، ويشركك في هذا الرأي وهذه الكراهية (فريق من المؤمنين) ليسوا منافقين ولا خوارين بل عقلاء ممن ذوي الرأي عندك ، لكن أقدار الله تسوقك إليه سوقاً ، فترى ما تكره بين يديك فإما العزيمة أو النَّكْص ، وفي مثل هذا تلوح الإرادة الربانية ، والواجب هنا ما دلت عليه الأنفال وثبت من سيرته صلى الله عليه وسلم : المشورة أولاً والعزيمة ثانياً .

(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)  [الأنفال : 5 - 8]

 

2-        مبشرات وقرائن نصر تتخلل بين رُكام المخوِّفات والمقلقات لا تخفى على البصير :

كرؤى صالحة متتابعة (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)  [الأنفال : 43]

أو حال تسر كانشراح صدور أهل الإيمان والصدق للقتال أو لغيره وتأمل ذلك في سورة الأنفال (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ) فالحق هنا هو الخروج لمقابلة النفير لا العير ، والتبين هو القرائن التي أدرك بها كبار الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد مقاتلة جيش قريش وأنهم منصورون بوعد الله ،

يقول ابن عاشور مقررا هذا المعنى بكلام متين له : وهذا التبيّن هو بيّنٌ في ذاته سواء شعر به كلهم أو بعضهم فإنه بحيث لا ينبغي الاختلاف فيه ، فإنهم كانوا عَرَباً أذكياء ، وكانوا مؤمنين أصفياء ، وقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله ناصرهم على إحدى الطائفتين : طائفة العير أو طائفة النفير ، فنصرهم إذن مضمون ، ثم أخبرهم بأن العير قد أخطأتهم ، وقد بقي النفير ، فكان بيّناً أنهم إذا لقوا النفير ينصرهم الله عليه ، ثم رأوا كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لمّا اختاروا العير .. فذلك معنى تبيّن الحق ، ومَن خفي عليه هذا التبيّن من المؤمنين لم يعذره الله في خفائِه عليه . لوضوح الدليل وجلائه .

 

ومن المبشرات ملاحظة وحدة في الكلمة وقوة بنيان الصف (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  [الأنفال : 62 ، 63]

 

-         ومن هذه المبشرات التي تدل على التأييد :

النعاس الذي يدل على الطمأنينة .

والمطر الذي اغتسلوا به من الجنابة ، وثبت الأرض تحت أقدامهم .

والشعور والإحساس النفسي والمادي أن الله معنا (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال : 17] ، وأنه سبحانه يمكر لنا مقابل مكر دهاة الأرض علينا كما قال تعالى (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)  [الأنفال : 30]

وغيرها من القرائن والمبشرات ،،

 

3-        ومن صور النصر الرباني : الرعب الذي يقذفه الله في قلوب أعدائهم

قال تعالى (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ) آية 12 ، وفى الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم (نصرت بالرعب مسيرة شهر) .

وهذا وعد ثابت لا يتخلف ، فإذا تخلفت هذه الصورة من صور النصر الرباني فنزع الرعب من قلوب أعدائنا وأصاب أتباعنا ؛ فلابد من البحث عن مكامن هذا الداء وأسبابه ثم حسمها حسماً لا يترك منها قطميراً ولا نقيراً .

 

4-        ومن صور التأييد نزول الملائكة للقتال مع المؤمنين :

وشرط هذه كثرة الاستغاثة بالله (إذ تستغيثون ربكم) فلما كنتم على هذه الحال كان الجزاء (فاستجاب لكم أني ممدكم ..) .

 

ب‌) النصر المادي :

وقد أكدت سورة الأنفال على لزوم إعدادها ، وسأذكر ما نصت سورة الجهاد على لزوم إعداده قبل إعلان الجهاد :

 

1.     مراعاة موازين القوى بينهم وبين أعدائهم في العُدد والعدة ،

فالقتال لا يشرع إذا كانت موازين القوى بين الفئة المؤمنة والفئة الكافرة لا يتحقق معه مقصود الجهاد وهو حفظ بيضة المسلمين أو التنكيل بالمعتدي الظالم أو إزالة الحُجب بين الناس ودين رب العالمين ، وسورة الأنفال قاطعة للجدل في هذه القضية بصورتها العامة المُجملة ، ويبقى الجدل في المناط الذي يقال عند تحققه يشرع القتال وعند عدمه لا يشرع .

والمقصود بالمشروعية إما : الوجوب أو الاستحباب أو الكراهة أو التحريم ، كما سيأتي بيانه بحول الله .

والمناط الذي صرحت به سورة الجهاد هو العدد وأشارت إلى مناط العُدة فقال تعالى : (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ* الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) آية 65

أما العُدة فجاء مناطها (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال : 60] ، وهو مناط مستنبط وليس بصريح بخلاف مناط العدد ، فقد كان العدد هو الأكثر تأثيرا في المعارك لأن العدة متشابهة في الأغلب بين المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبين أعدائهم .

لكن في هذا الزمن اختلف الحال ، فيعلم كل عاقل أن ألف مقاتل بطائراتهم وقاذفاتهم وصواريخهم مما نرى ونعلم عنه أقوى من ألف ألف مقاتل معهم كلاش وقاذفات آر بي جي ونحو هذا .

ولا يقال هذا للتخويف من جيوش الشرق والغرب ولكن لمعرفة الحكم الشرعي في الجهاد ومنابذة العدو الغاصب .

 

وهذا تفصيل مبني على جمع آيات الجهاد مع كلام أهل العلم عليها ،

فقد مرَّ الجهاد في هذه الشريعة الخاتم بمراحل :

المرحلة الأولى : كان الجهاد في أول الأمر منهياً عنه ، مأموراً بضده من الكف والعفو والصفح والصبر ونحو ذلك .

وضابط هذه المرحلة : في حال الضعف الشديد بحيث لا يمكن معها مناكفة العدو ولا إيقاع الأذى به ، كحال النبي صلى الله عليه وسلم أول سنتين من الهجرة ، يقول ابن القيم واصفا هذه المرحلة : في حال كون انتصارهم ذريعة الى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء واحتمال الضيم ، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة .

 

يقول أبو السعود في تفسيره  (6/108) : وقد نزلت نيف وسبعون آية تنهى عن الجهاد في ذاك الحين .

ويعني بهذه الآيات أمثال قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ... } (77) النساء ، وقوله : {فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} (109) سورة البقرة ، وقوله :  {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} (85) الحجر ، وقوله : {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (199) الأعراف ، وقوله : {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا} (10) المزمل ، وغيرها كثير .

يقول ابن القيم في زاد المعاد (3/138) وهو يبين الحكمة من ذلك :

الوجه السادس : أنه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد ، وأمرهم بالعفو والصفح ، لئلا يكون انتصارهم ذريعة الى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء واحتمال الضيم ، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة.

ويقول شيخ الإسلام في كلام ماتع له في الصارم المسلول (3/683) : فحيث ما كان للمنافق ظهور يخاف من إقامة الحد عليه فتنة اكبر من بقائه عملنا بآية (ودع اذاهم) ، كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم  والصفح ، وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله (جاهد الكفار والمنافقين) .

المرحلة الثانية : الإذن بالقتال أي مشروعيته دون إيجاب .

وذلك في قوله تعالى {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (39) سورة الحـج ، وفي قوله (أُذِنَ) دلالة على أن هناك منع سابق .

وضابط هذه المرحلة : هو حال المسلمين حين نزول هذه الآيات أو ما يسمى (زمن التنزل) أو (متى نزلت) ، وهذه الآيات نزلت في أواخر السنة الأولى قبل واقعة بدر الكبرى ، وقد كان المسلمون في حال ضعف لكن ليس بالشديد ، بل لديهم قوة محدودة قادرة على مناكفة العدو وإيقاع الأذى به مع أن عدوهم أقوى منهم ، فهاهنا تشرع المقاومة من غير إيجاب .

يقول الإمام الأمين الشنقيطي في أضواء البيان (5/263) :

وهذه الآية هي أول آية نزلت في الجهاد كما قال به جماعات من العلماء ، وليس فيها من أحكام الجهاد إلا مجرد الإذن لهم فيه ... قالوا ولما كان الجهاد فيه هذا من المشقة وأراد الله تشريعه شرعه تدريجاً فأذن فيه أولاً من غير إيجاب .

المرحلة الثالثة : الأمر بقتال من قاتلهم .

وذلك في قوله تعالى {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} (190) سورة البقرة .

وضابطها : هو حال التنزل أي حال المسلمين حين نزول هذه الآيات ، وهذه الآيات نزلت قبيل عمرة القضاء في ذي القعدة سنة هـ عوضًا عن العمرة التي صُرفوا عنها وفقًا لشروط صلح الحديبية ، فهي في الإذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرام إذا فوجئوا بالقتال بغيا وعدوانا ، فهي متصلة بما قبلها ، لأنّ الآية السابقة بيّنت أنّ الأهلة مواقيت للنّاس والحج، والحج في أشهر هلالية مخصوصة ، كان القتال فيها محرّما في الجاهلية ، وهذا هو سياق الآيات :

قال الله تعالى: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) ) .

يقول ابن عباس : هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما صدّ عن البيت، ثم صالحه المشركون، على أن يرجع عامه ثم يأتي القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفع

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل