روائع البيان القرآني - دلالات الهداية في القرآن

روائع البيان القرآني

دلالات الهداية في القرآن

د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

لفت انتباهي الهداية في القرآن الكريم ومشتقات كلمة الهداية وفي المقابل لها الشقاء ومشتقات الكلمة في القرآن الكريم فرأيت أن الهداية في القرآن وإن تنوّعت وذكر لها الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات دلالات بعضهم أوصل بعضها إلى أكثر من عشرين معنى لكن كلها تعود إلى جزئين:

أولًا: ما معنى الهداية؟ الهداية كما بيّن علماؤنا هي الدلالة بلطف، تدل غيرك مع الترفق به، التلطف به. ربنا يقول في القرآن الكريم (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) النحل) يعني يسترشدون، الرجل في عرض البحر أو المحيط أو في الصحراء يسترشد بالنجوم وهذا علم في الفلك له أهله. (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (24) السجدة) يعني يرشدون الناس يبينون لهم الحق والصواب. الهداية حين تسند إلى المخلوق تكون بمعنى هداية السبب، هداية الإرشاد، هداية الدليل.

لكن الهداية حين تسند إلى الخالق تأخذ معنى أوسع وأخص في ذات الوقت. الهداية من الله مع أنها بيان وإرشاد فيها توفيق، تزداد معنى التوفيق من الله سبحانه وتعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ الفاتحة) (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (11) التغابن) يوفقه إلى ما يحب ويرضى. يحبب إلينا الإيمان، يزينه في قلوبنا، يبغِّض ويكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان فيجعل الإنسان يكره هذه المسائل ويحب الطاعة ويبغض ويكره كل ما يكرهه ربنا سبحانه وتعالى وكل ما نهى عنه سبحانه وتعالى. إذن الهداية من ربنا توفيق وإعانة. نضرب لذلك مثلًا لأجل أن نفهم الفرق بين هداية السبب والإرشاد والدليل وبين هداية التوفيق والإعانة التي تكون من الله. أنت تأتي لقناة الرحمة أول مرة تأتيها فسألت إنسانًا فوصف لك الطريق حتى تصل، هذه هداية دليل، هداية سبب وإرشاد، قد تنجح بالوصول وقد تعجز عن قرآءة الدليل فتضل ولا تصل. لكن هداية التوفيق أنك لو سألت إنسانًا كيف أصل إلى قناة الرحمة؟ فأركبك معه وأوصلك إلى باب القناة، هذا أعانك ولم يدلك فقط وأتى بك إلى هدفك.

بعض الناس لا يصلي فيدعوه بعض الدعاة أو أمه أو أبوه أو أخوه أو زميله قائلين له: صلِّ فيقول: لما يهديني ربي أصلّي! الله تعالى هدى الناس كلهم حين أنزل الكتب وبعث النبيين وأرسل الرسل، أوجد اسباب الهداية تهتدي الناس بها. عندما تكون جائعًا تدخل مطمعًا، عندما تكون مريضًا تدخل مستشفى أو صيدلية لا تجد جائعًا يذهب إلى صيدلية ولا إنسانًا مريضًا يذهب إلى مطعم! ربنا هدى الناس جميعًا هداية سبب ودليل فمن أخذ بها يمتن الله سبحانه وتعالى عليه بهداية التوفيق (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) محمد) (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا (54) النور) إذا أردت هداية التوفيق فخذ بهداية السبب. قُم توضأ وصلّ وتب إلى الله.

هذا من روائع بيان القرآن الكريم في شأن الهداية. فالإنسان بين هدايتين: هداية السبب وهذه تسند إلى أيّ مخلوق وهداية التوفيق والإعانة وهذه خاصة بالله. من أراد أن يتحصل على هداية الإعانة والتوفيق الهداية الربانية فعليه أن يبدأ وأن يأخذ بهداية السبب، يصلي، يتوب، عليه بالصحبة الصالحة. وهي أكذوبة شيطانية عندما يقول لك أحدهم صلِّ فتقول: لما ربنا يهديني! صلِّ فربنا هدانا جميعًا حين أوجد أسباب الهداية.

ثم نأتي إلى الضد: الشقوة. كما أن العبد بين هدايتين هداية السبب وهداية التوفيق الربانية كذلك هو بين شقوتين شقوة عامة مثل الحرّ والبرد والظروف الاقتصادية هذه شقوة لا يسلم منها أحد وكل الناس يعانيها فمن عاشها وابتلي بشيء منها فصبر ابتغاء مرضاة الله أُثيب عليها، هذه شقوة عامة. لكن الشقوة الأخطر شديدة الخطورة هي شقوة المعصية، شقوة البعد عن الله عز وجل وهي من أخطر ما يكون على العبد وعلى الإنسان، هي التي تفتح باب الضياع وباب الإنهيار والعياذ بالله تعالى. ولذلك لا سلامة من هذه الشقوة إلا ببيل الله عز وجل (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) ارتبطت الهداية التي أنزلها الله تعالى في القرآن والسنة (فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ طه) هذه السلامة من شقوة المعاصي من شقوة الذنوب. وربنا في سورة البقرة قال أيضاً (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ البقرة) هذا بيان من ربنا وهو يبين لنا الفرق بين شقوتين شقوة عامة خلق الله الإنسان في كبد، (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (الملك، 2) (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً (20) الفرقان) هذه شقوة عامة، أناس تضايقك، ظروف اقتصادية، يظلم أحد الناس، هذه شقوة عامة والسلامة منها بهدي الله أيضًا. لكن الشقوة الخطيرة التي يحذرنا الله منها هي شقوة المعصية شقوة الخطيئة شقوة البعد عن الله وهذه النجاة منها نص القرآن عليها (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ طه) وقوله (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ البقرة) وأن العبد بين نعمتين هداية السبب من الرسل الأنبياء الكتب التي أنزلها الله عز وجل، هذا الكون وما فيه من عبر، هذه هداية السبب. وهناك هداية التوفيق والإعانة والتأييد والحفظ وهي من الله سبحانه وتعالى واقتضت حكمته أن من سلك أسباب الهداية وهداية السبب والإرشاد يمتن الله تعالى عليه ووعد الله حق بهداية التوفيق والتأييد والإعانة والتثبيت. وأن الهداية هي دلالة بلطف، إرشاد بلطف، الله يحبنا يترفق بنا يتودد إلينا وفي هذا البيان لا مجال لأحد أن يعتذر إذا ما دعي لخير أو صلاة وهو قائم على معصية أن يقول: لما ربنا يهديني أصلّي! لا يا أخي، ربنا هدانا جميعًا بأسباب الهداية فمن أخذها وُفق ونحن في صتنا كل يوم ندعو ربنا كل يوم اهدنا الصراط المستقيم. هذا ما ينبغي أن نلوذ به وأن نتوجه إليه.

 

سبحان من هذا هديه سبحان من هذا بيانه وسبحان من هذا قرآنه. نسأل الله أن يجعل حظنا من العلم العمل به، العلم ليس إلهًا يعبد من دون الله إنما هو وسيلة للعمل ونسأله تعالى أن يمن علينا بالإخلاص وأن يتفضل علينا بالقبول فهو ولي ذلك والقادر عليه وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وما يذكر إلا أولو الألباب وما يعقلها إلا العالمون.  


http://www.mohameddawood.com/Video/view.aspx?ID=297&Section=%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل