مدارسة القرآن - سورة الأنفال

مدارسة القرآن - سورة الأنفال

د. محمد علي يوسف

ولقد جرت العادة بين الناس بعد الانتصارات الكبرى أن تتصدر عبارات الثناء والخيلاء ما يليها من تعليقات وبيانات وأن تنظم ديباجات التبجيل وأناشيد المديح لأصحاب تلك الانتصارات والأمجاد

لكن العجيب أن أول ما نزل من آيات بعد نصر بدر كان يحمل توجيها بالتقوى وإصلاح ذات البين والتحذير من التفرق والتنازع على الغنائم وعرض الدنيا الزائل ولم تعن آيات الأنفال كثيرا بذكر البطولات العظيمة التي حدثت في الغزوة رغم وجودها وكثرتها

وكأن في ذلك إشارة لطيفة إلى أن النصر في جولة ليس نهاية المطاف وأن الحفاظ على القمة أصعب وأهم من مجرد ارتقائها لذا كان التحذير من أهم أسباب الهزيمة وبيان عوامل الثبات على النصر بعد السورة التي تحدثت عنه

وبالفعل حين حدث الخلل في تلك العوامل أو بعضها كانت المصيبة في الغزوة التي تليها مباشرة فتأمل

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

 

ولا ينبغي للمرء أن يصرف ذهنه فقط لتقصير الآخرين وبغيهم عليه واعتدائهم على حقه بل عليه أيضا مع ذلك أن ينظر إلى تقصيره وما جنته يداه باحثا عما غيره وبدله وأدى إلى زوال النعمة وفجاءة النقمة راغبا في إصلاح أخطائه طالبا التوبة عن تقصيره وتبديله وزلاته فهو لا ينسى أبدا تلك القاعدة الربانية المحكمة:
(ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)


وإن اختيار مصطلح الأنفال لتسمية السورة التي تتحدث عن النصر له إشارات عميقة ومدلولات 
فالأنفال هي الغنائم
ومصطلح الغنائم هو المصطلح الأشهر و الأكثر استعمالا وهي كلمة عربية فصيحة ووردت في القرآن وفي السنة بصياغات مختلفة
لكن اختيار اسم الأنفال للسورة له مدلول مهم
فالأنفال من النفل والنفل من الزيادة، كما يقال لغير الفريضة نافلة
فالذي يأتي من العمل للدين من فتوح دنيوية لا بد أن يُنظر إليه على أنه نفل،
زيادة.
ليس الأصل و ليس غاية أو مراد
والعمل لدين الله ليس لهذه الزيادة والنفل، كل ما يأتي بعد النصر من متاع الدنيا إنما هي أنفال، ليست هي الهدف وليست هي الأصل و لا ينبغي لطالب مرضاة الله و جناته أن يلتفت إليها أو ينشغل بها


و ترسخ آيات سورة الأنفال لقاعدتين و أصلين في غاية الأهمية يظن بعض الناس أن بينهما ثمة تعارض أو تناقض وهذا غير صحيح
الحقيقة أنهما يتكاملان و يتآزران.
بعض الناس يظن أن الأخذ بالأسباب ينافي التوكل على الله عز وجل، وسورة الأنفال تبين من خلال آياتها أن هذا غير صحيح فتضعنا السورة أمام حقيقتين في غاية الأهمية
الحقيقة الأولى: أن النصر من عند الله وحده فلا تعلّقوا قلوبكم إلا به
(وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى)

 

الحقيقة الثانية وجوب الأخذ بأسباب النصر وضرورة نبذ التواكل
وهذا لا ينافي (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) فهناك أسباب للنصر لا بد من الأخذ بها ووسائل و سُبُل للفتح لا بد من سلوكها

لستم عبيداً للأسباب بل عباد لله عز وجل
لكن عليكم أيضاً أن تأخذوا بالأسباب وأن تعِدّوا
فإن فعلتم ذلك كنتم بإذن الله مستحقين للنصر الذي هو من عنده وحده

هذان المعنيان يترسخان في جل آيات السورة فتأمل..

 

وعند تأمل آيات سورة ‫#‏الأنفال‬ نلاحظ أن جل الأحداث والوقائع التي حدثت في غزوة بدر نُسِبت إلى الله عز وجل ونفيت عن غيره إلا فعل واحد فعله المسلمون وذكر في السير أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل يفعله طوال الليلة السابقة لنهار الغزوة
(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ)

نعم المسلمون حاربوا وقاتلوا وأخذوا بما بين أيديهم من الأسباب المادية وأعدوا ما استطاعوا من قوة وأبلوا بلاء حسناً 
لكن ما ذكره الله عز وجل من قتالهم وتسديد رميهم نسبه لنفسه "فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى"
فمن قتل المشركين هو الله ومن رمى هو الله وأيضا من حدد مكان وموعد الغزوة و من سيقاتلون عيرا أم نفيرا هو الله
هو الذي أنزل المدد و سدد الرمي أنزل النعاس أمنة منه عليهم وربط على القلوب و ثبت الأقدام

قد تكون الحسابات المادية ممتازة وليس فيها أي خلل ومع ذلك تحدث الهزيمة
لكن حين يأتي التسديد من عند الله عز وجل فمن هنا يأتي النصر.
بشرط الاستحقاق و الإعداد جنبا إلى جنب مع ما خلد القرآن ذكره من فعلهم

"إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُم"ْ

يد تعمل وقلب معلق ولسان يلهج ويستغيث بالمولى

 

و الألفة بين المؤمنين رزق ونعمة من الله
وهي كنز لا تساويه أموال الدنيا
لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
ومن رزق الألفة عليه أن يحافظ عليها ويستمسك بها ويصبر على إخوانه قدر وسعه
فبديلها نزع الخير وقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم " لا خير فيمن لا يألف و لا يُؤلف"

وضياع الألفة بداية لضياع الأمة وسلوكها طريق أوله التنازع و آخره الفشل وذهاب الريح
وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
نسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا

 

 

و لا يستطيع المنافقون وعبيد الأسباب من الماديين أن يفقهوا سبب يقين المؤمنين وثقتهم برب العالمين فلا يملكون إلا التسفيه والتحقير واتهام الموقنين بالسذاجة والاغترار و هذا ليس بجديد واقرأوا إن شئتم

إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ

لكن يأتي الرد الشاهق من جديد ليطيش تسفيههم و تحقيرهم
" وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"

 

 

و يتحير البعض في تمييز الطريق و تحبطهم تلك الحيرة ويثقلهم ذلك التشوش فيكثرون الشكوى و يدمنون التحجج باختلاط الرؤية وعدم وضوح السبيل بينما يتجاهلون تلك الوسيلة الربانية التي بينها الله لهم في جواب شرط رئيسي واضح يظهر جليا في قوله تعالى :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً"

فالتقوى والحرص على إرضاء المولى من أهم أسباب الفرقان الذي يجعله الله لعبده ليميز به بين الحق والباطل والنور الذي يمشي به في الناس ويضىء له به السبيل

 

 

و #الخيانة فعل ظاهر له علامات واضحة وشروط حاسمة وهي لفظ واصطلاح شرعي ذكر في كتاب الله جل وعلا أكثر من مرة

منها ما ورد في سورة الأنفال
(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)
والمعنى إذا خفت يا محمد -صلى الله عليه وسلم- خيانة من قوم عاهدتهم وبينك وبينهم ميثاق فلن تتم إليهم عهدهم إلى مدتهم فأعلمهم وأظهر لهم ذلك ولا تباغتهم بإنهاء الأمد او نقض عهد 
كذلك وردت في نفس السورة في قول الله (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) 
وفيها إشارة واضحة إلى أن الخيانة ليست في حق البشر وحدهم ولكنها أيضا في حق الله جل وعلا 

ووردت الخيانة في مواضع أخرى كثيرة في القرآن وفي السنة وتباينت معانيها ومدلولاتها ومنهت يتبين أن المسألة ليست لعبة ولكنه اصطلاح وحكم شرعي له ضوابطه وأحكامه 
فما بال أقوام يسارعون بنفيه عن بعض الأفعال وما بال آخرين يتساهلون بوصف كل فعل مخالف أو شخص مخالف بأنه كذلك

وما بين إفراط في الوصف وتفريط فيه قد تضيع الحقيقة 
فانتبه بارك الله فيك واعلم أنها = أحكام عظيمة ومرتقى غير هين فلا تتساهل في نفيها أو إثباتها إلا بعلم وبينة وبرهان



المؤمنون حقا..

ما نفسكش تبقى منهم؟؟؟!!
مؤمنين حقا إزاى يعني ؟؟؟
أقول لك
نفهم بالراحة
ناس كتير فاهمة إن الإيمان هو مجرد التصديق بوجود الله و خلاص على كدة
و ده ممكن يكون معنى الإيمان لغة لكن الحقيقة أنه لو ده بس معنى الإيمان يبقى على كدة إبليس مؤمن - و هو طبعا ليس كذلك - فالله يقول أنه " أبى و استكبر و كان من الكافرين "
تأمل ... من الكافرين
رغم أنه يعرف بوجود الله ؟؟
نعم ... رغم إنه يعرف بوجود الله
هل سمع أحدكم أن إبليس ينكر وجود الله ؟؟
الجواب معروف
طبعا لا
هو يعلم وجود الله بل و يقسم به و بعزته أحيانا
لكن مع ذلك هو رأس الكفر و منبعه
لماذا ؟؟
لأن تصديقه لم يتبعه قبول و انقياد
ولأن معرفته بالوجود لم تمنعه عن الجحود و النكران

علم أن الله ربه و خالقه لكنه رفض أن يطيعه و يعبده
جحد و استكبر عياذا بالله
مثلما فعل قوم فرعون الذين قال عنهم ربنا " و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوا "
يبقى الموضوع مش مجرد كلمة و خلاص و لا خانة فى البطاقة
المؤمن حقا له خصائص و مقومات ربك ذكرها فى آيات كتير فى كتابه العزيز
من ضمنها آيات من أروع آيات سورة #الأنفال
" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"

لاحظ ما بعدها..

" أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ"

و فى نفس السورة " وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم "
ركز كدة فى الآيات دى
تأمل في أولها ؟؟
بدأت بـ" إنما المؤمنون "
هما دول اللى صفاتهم كدة
واخد بالك انتهت بإيه ؟؟
"أولئك هم المؤمنون حقا"
و بينهما صفات
هى دى صفات المؤمنين حقا
ذكر و خشية و وجل و تلاوة قرآن تزيد منسوب الإيمان فى القلب و توكل و صلاة و إنفاق
ما شاء الله ...
ما أجملها من حياة التي تتوجها تلك الصفات
مش ملاحظ حاجة فى الأعمال و الصفات دى ؟؟
مش ملاحظ إن أغلبها بنعمله بالفعل وممكن نتدرب عليه فى رمضان ؟؟

مش ملاحظ إن نسبة الصفات دى بترتفع جدا و بتبقى أسهل فى رمضان ؟؟
كل حاجة حواليك بتذكرك بالله فى رمضان
حتى اللى بيشتموا برة رمضان تلاقيهم بدل ما يشتموا يذكروا الله قائلين "اللهم إنى صائم"
و التلاوة !!
تلاقى من هجروا القرآن شهورا عادوا إليه فى رمضان و اللى بيختم مرة و اللى بيختم اتنين و اللى ربنا بيفتح عليه و يتلو القرآن آناء الليل و النهار
حاجة جميلة
و الصلاة !
تلاقى ما شاء الله المساجد مليانة على آخرها حتى فى صلاة الفجر ة كمان فى النوافل زى التراويح تلاقى مساجد ما شاء الله مش مكفية المصلين و فارشين برة
و الإنفاق !
ما شاء الله تلاقى شنط رمضان و كرتونة رمضان و ناس تطلع زكاة مالها فى رمضان و ناس تفطر الصائمين فى الشوارع
شىء رائع
و أيضا هناك جهاد !
نعم جهاد من أول جهاد النفس و حتى ذروة السنام و هو جهاد العدو مرورا بجهاد الكلمة و الصدع بالحق في وجه الجائر الظالم الطاغية
ما لا يعلمه كثير من الناس أن أعظم فتوحات و انتصارات المسلمين فى ميادين الجهاد منها ما كان فى رمضان
ده طبعا غير مجاهدة النفس فى الصيام و القيام و ترك الشهوات
و هِجرة !
نعم هجرة رغم أنه لا هجرة بعد الفتح لكن هناك هجرة المعاصى و الذنوب و هذا يفعله كثير من الناس فى رمضان بفضل الله
يعنى ما شاء الله أكثر الصفات موجودة و ممكنة التحقيق بشكل أسهل فى رمضان
بس اللى يزعل إن كتير من الناس بيوصل للحالة الرائعة دى التى تقارب الوصف الربانى للمؤمنين حقا و بعدين تلاقيه ييجى عليه العيد ينسى كتير من الأحوال الإيمانية و الطاعات التى كان مداوما عليها منذ أيام

لماذا لا نجعل رمضان هذا العام معسكر تدريب على الإيمان الحق و فرصة لنتمرن على أن نكون من أولئك الرهط الكريم .......
من المؤمنين حقا



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل