النبأ العظيم - سورة الطارق

النبأ العظيم – تفسير سور جزء عمّ

د. أحمد نوفل

سورة الطارق

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

هذه السورة التاسعة من سور جزء عمّ والسادسة والثمانين بترتيب المصحف الشريف، إنها سورة الطارق. عدد آياتها سبعة عشر آية، هل موضوعها القيامة مثل سائر سور هذا الجزء؟ ما علاقتها بسورة البروج؟ ما معنى (وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ (1))؟ (النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)) ما معنى النجم الثاقب؟ ما منهجية هذه السورة؟ ما علاقة المقسم به مع المقسم عليه (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4))؟ هذا ما سنحاول الوقوف عليه إن شاء الله.

(وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ (1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17))

إذاً هذه السورة من سور القسم، (وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ) قَسَمان في آية واحدة، كل كلمة مقسم به (وَالسَّمَاء) أي وحقِّ السماء، (وَالطَّارِقِ) وحقِّ الطارق. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ) هذا استفهام، إذاً جمعت السورة بين نوعين من أنواع الفواتح، القسم والإستفهام. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ)، هذه الصيغة تتكرر في القرآن كثيراً إذا أُريد التشويق والتهويل ولفت الأنظار (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)[القدر:2]، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ)، (وما أدراك ما هي) كثيرٌ جداً في القرآن الكريم هذا الاستفهام بهذه الصيغة، إذاً (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ).

أحبابنا الكرام هذه سورة الطارق، ليس لها إلا هذا الإسم. الطارق، نحن نعرف أن الطارق من يقرع الباب، نسمع طرقًا فنقول من الطارق؟، قال: أنا أبو طارق، أي الذي يطرق الباب. ثم العرب اصطلحوا على أن الطارق الذي يطرق بليل ولا يطرق بليل إلا واحد جاء لأمر جللٍ خطير، نقول: اللهم اجعله طارقً خير، أي واحد جاءك الساعة الثانية عشر يطرق الباب طرقًا شديدًا، في وقت متأخر ولا يطرق طرقًا شديدًا إلا في أمر جلل، إذاً (وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ).

إذاً الطارق من حيث المفهوم اللغويّ معروف، لكن القرآن يريد أن يعطي لهذا المفهوم اللغوي مفهوماً اصطلاحياً جديداً (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ)، الجديد قادم: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ)، ثاقب يثقب ماذا؟ يثقب المسافات؟ يحتمل، يثقب العتمة والظلام؟ يحتمل، ثاقب. أظن أن معنى الثاقب، النجم حين يموت ينفجر انفجاراً هائلاً، يعطي صوتًا شديدًا كالطرق على الأبواب، ويعطي إضاءة جديدة تثقب الظلام، يا سلام على القرآن!.

إذاً هو نجمٌ ثاقب، من شدة إضاءته لأن هذا الإنفجار وهو الموت، النجوم حين تموت تنفجر، فتعطي لمعانًا شديدًا وإضاءة شديدة، (النَّجْمُ الثَّاقِبُ) وتصدر صوتًا شديدًا وهو ما عبّر عنه القرآن(الطَّارِقُ). وسمعتم من الأستاذ زغلول وغيره يقول أن عنده تسجيلات لأصوات نجوم تصدر صوت كأنه طرق على الأبواب، وأنا سمعت الصوت. على كل حال، المفهوم اللغوي القديم لدى المفسرين القدماء ابن جرير وابن كثير وغيرهم –عليهم رحمة الله- على الرأس والعين، هذا مفهوم لغوي، والحق معهم إذا فسروا وفق المفهوم اللغوي، لكن الآن صار عندنا مفهوم علمي، مفهوم فيزياء فلكية، أعطتنا أبعادًا جديدة للنصوص القرآنية الكريمة، هذا توظيف لما اكتُشف في خدمة النص القرآني وليس إخضاع النص القرآني للمكتشفات العلمية كما يحلو للبعض أن يسمي، لا، القرآن هو السيد، والقرآن لا نُخضِعه لمكتشفات العلم، حاشا لجلال القرآن أن يُحشر تحت مكتشفات العلم بل مكتشفات العلم تخدم النص القرآني.

بتبسيط شديد، هذا كتابُ الله، والكون كتابُ الله الآخر، هما كتابان، كتاب القرآن وكتاب الأكوان، هذا كلام الله وذاك صنعة الله، أفيتناقض كلام الله مع صنعة الله؟! (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[القلم:36] كلام الله في الأكوان يشهد لكلام الله في القرآن، وكلام الله في القرآن يُرشد إلى كلام الله في الأكوان. والكلام أقصد به فعله الذي يتم بكلمة (كُن فَيَكُونُ) [البقرة:117]. كن يا كون فيكونُ الكونُ وهكذا. إذاً هذا يُرشد وذاك يشهد مصداقاً لقوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: 53].

إذاً هذه السورة فيها من الإعجاز العلمي الشيء الكثير، هذا واحد منه والباقي قادم بإذن الله تعالى. إذاً (وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)) هذا كله المقسم به فما المقسم عليه؟ (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) حافظ، ما مفهوم حافظ؟ هل هو (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)[الرعد:11]، هل عليك حراسات؟ أمامك ومن خلفك مثل ما قالت سورة الرعد (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد:11]، يحفظونه أي بأمر الله، هذا حفظ. وحافظ (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) يقيّد عليك أو لك أعمالك، أعتقد أن معنى السورة هذا (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) (إلا) يمعنى لما، ما كل نفس إلا عليها حافظ يقيد أعمالها. إذاً السورة ما زلنا في جو يوم القيامة، (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) يحفظ أعمالها، يقيّدها ويسجلها (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجاثية:29] كنا نقيّده ونسجله، دفترك محفوظ، والجُرمية في السماء في الكتاب المبين محفوظة، فعندك نسخة شخصية ونسخة في الملفات الرئيسية، فالحفظ شديد (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ).

ثم رجع بالإنسان القهقرى إلى بدء تخلّقه (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)) أنت يا أيها المتغطرس تُنكر الله وتنكر لقاء الله وتنكر أنبياء الله وتنكر كتب الله ومتكبر، أنت يا أيها المتألي والمتأله على الله والمتكبر المتجبر، أنت، ما أنت؟! بدايتك كما تعلم، من هذه النطفة الصغيرة جداً خُلقت، أقل من رأس دبوسٍ كنت، أقل، أقل بكثير، لا تُرى بالعين المجرّدة، تحتاج إلى مجهر إلكتروني إلى أن تتضح معالمك وأصلك!. (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)) من بين الصلب، ما يتعلق بالرجل، والترائب ما يتعلق بالمرأة، الترائب والصلب معروف، إذاً هذا الإنسان مخلوق من الإثنين. هذا أيضاً كشف سابق للقرآن الكريم، الذي ظل الطب إلى القرن الثامن عشر أو نحو ذلك يعتقد أن المرأة ما هي إلا مستودع للنطفة، بمعنى ليس لها دور في التخلق إطلاقاً، اللهم إلا مستودع لنطفة الأب، تُحفظ إلى أن يكتمل الخلق فتلد، لا، في قرآننا العظيم (نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ)[الإنسان:2] هذه النطفة من ماء دافق (يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) هنا موضوع السورة – لايجوز أن نقول بيت القصيد -معاذ الله- هنا مربط الفرس، وما هو؟ هو (خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ* يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ* إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) هذا أحد محاور السورة المهمة، أنا الذي خلقتك من هذه النطفة، يقول الله عز وجل فأنا قادر على أن أعيدك. إذًا فالسؤال: هل موضوع سورة الطارق القيامة أيضًا؟ الجواب: نعم. بمنتهى البساطة وهذا هو الدليل –الذي قلنا عنه أنه مربط الفرس- في هذه الآية (إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ* يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ* فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ) ما معنى (تُبْلَى السَّرَائِرُ)؟ وكذلك ما معنى (فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ)؟ وما موقفنا مع بقية آيات السورة؟ فما معنى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ)؟ وما معنى (وَالْأَرْضِ ذَات الصَّدْعِ)؟ هذا ما نحاول –بحول الله- أن نقف عليه.

ما معنى (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)؟ أي تمتحن مستودعات الأسرار في السرائر، الإنسان بداخله مستودعات؛ أسرار وسرائر ومطويات ومخفيات ومخبئات، ومختزنات، ومختزلات، وأمور تطول، كلها ملفات ستخرج، وتمتحن وتفتت، وتنقب، وتنبش كلمة كلمة، موقف موقف، لحظة لحظة. (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ* فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِر) يا أصحاب القوة والسلطة في هذه الدنيا اتقوا يومًا لا قوة فيه لأحد إلا لمولانا الصمد سبحانه وتعالى، لا ناصر فيه لأحد إلا من نصره الله عز وجل من أهوال وشدائد يوم القيامة، فيا من غرّته قوته الآنية، اللحظية، تذكر يومًا لا تملك فيه شيئًا تستر به عورتك، لو كنت تملك شيئًا لكنت سترت نفسك، لكن لمَ تخرج الناس من القبور عرايا؟ حتى يقال لهم ليس منكم من أحد له أي ملك مطلقًا (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) لمن هذه المزرعة؟ لي، لمن هذا القصر؟ لي، لمن هذه السيارة؟ لي، لمن هذا الجند والمال؟ لي، غدًا يوم القيامة ما لك من شيء؛ لا قوة ولا ناصر! فالحقيقة أنك تكون ضعيفًا بذاتك ولكن قوي بأتباعك وأجنادك، غدًا بذاتك ضعيف، ويتخلى عنك أقرب الناس إليك؛ يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، كلهم سينقطعون عن بعضهم البعض، فالمرء لن يستطيع أن يتحمل وزر نفسه فما بالك بغيره؟! وهكذا هذا موقف الإنسان (فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِر).

(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) بدأت السورة بالقسم بالسماء، والآن المقطع الختامي أيضًا قسم بالسماء، ولكن الآن السماء ببعد جديد، (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) المفهوم اللغوي كان هو ما يتعاطى به المفسرون، ومعذورون قطعًا لكونه لا يملك أن يفسر الآية إلا بالمفهوم اللغوي؛ فما معنى الرجع؟ قيل: المطر، (والأرض ذَاتِ الصَّدْعِ) قالوا: أي تنشق الأرض عن النبات، جزاهم الله خيرًا، لكن المفهوم اللغوي للآية الآن صار المفهوم العلمي أوسع منه، فـ (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) لها أبعاد ومعان كثيرة جدًا، أولا: البخار يصعد من البحار، فتنقله الرياح، لأنه لو ظل البخار فوق البحار ستسقط المياه من البخار على البحار، وترجع كأنك لم تفعل شيئًا، ولكن تأتي الرياح فتحمل البخار، وتنقله إلى مناطق أخرى سوى البحار، فتنزل أمطار فوق الجبال والتلال والسهول فتسقيها بإذن الله عز وجل.

إذًا هذا جزء من معنى "الرجع". لو لم يكن ثمة حزام مبرّد حول الأرض ناقص ستين مئوي (-60 درجة مئوية)؛ فمن الذي أودع هذا الحزام النبرّد حول الأرض، من؟ إنه الله، فيصعد البخار ويصطدم بهذا الحزام المبرّد فيرجع أمطارًا من جديد، وإلا كانت البحار تبخرت تمامًا وانتهت الحياة على وجه الأرض، لأن الحياة مرتبطة بالماء (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) هذا أيضًا واحد من معاني (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ).

المعنى الثاني: هل تذكرون أيام الشتاء؟ قد تجد أحيانا الدنيا بلا غيم، تصبح الدنيا جليدًا، فلا يوجد غيم يرجع درجات الحرارة، فتصعد درجة الحرارة إلى أعلى وتذهب، فيصير الجو باردًا جدًا ويصل إلى درجة التجلد، والتجمد، وتصبح الأرض والمزوعات والنباتات صقيعًا، مما يؤدي إلى موت المزروعات من هذا الجليد وهذا الصقيع. إذًا (ذَاتِ الرَّجْعِ) أي ترجّع درجات الحرارة و تظل الأرض محتفظة بحرارتها، فالقمر مثلا تابع لنا، فالمفترض أن طقسه كطقسنا، لكن لا يوجد لديه غلاف غازي مثلنا، فدرجة حرارة القمر في النهار 125 مئوي، وفي الليل 125 مئوي تحت الصفر، يعني الفرق بين الليل والنهار 250 درجة مئوي. إذًا ما الذي حافظ على توازن الحرارة لدينا؟ فتكون لدينا 20 درجة ليلًا، و 35 درجة نهارًا، ولكن ليس 25 إلى 125 بالاتجاه المعاكس، وإلا ما كان يوجد حياة أصلًا بهذه الصورة! (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) أي تحتفظ بدرجة الحرارة وهذا المعنى الثاني.

المعنى الثالث: لدينا موجات كهرومغناطيسية (إذاعة، تليفزيون، بث فضائي، موجات راديوية) وكلها تعود إليك مرة أخرى؛ إذن (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) لو لم يكن يوجد هذا التصميم الإلهي أن يرجع لك الموجات، ما تمكنت من الاستماع إلى الراديو ولا التليفزيون ولم تسمع شيئًا قط.

(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) أيضًا لديك من النيازك، والأشعة فوق الحمراء، وفوق البنفسجية، وأشعة ذرة، وأشعة إكس، وغيرها، وكلها قاتلة، الغلاف الغازي والأوزون وما إلى ذلك يمتص قسمًا منها، ويرد قسمًا كبيرًا منها فوق 90% كله يرجع إلى مصدره ليدخل إلينا القليل القليل المحتمل. إذًا (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) يا سبحان الله! هذا إعجاز القرآن، كلمة واحدة لخصت كل ذلك؛ وما ذكرنا هو بعض من معانيها، وليس كل معانيها.

(وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) تنشق وتنصدع الأرض عن النبات، النبات أحياًنا يفلق الصخر، وكلكم رأى مثل هذه النباتات التي تنبت في الصخر، تين وغير تين، تجده شق الصخر وخرج، في البترائ وغيرها تجد التينة، تعرفون بذرة التين تخرج من وسط الصخر؛ هذه البذرة التي لا تكاد تراها بعينك المجردة تشق الصخر وتطلع من بينه، وهذا واحد من معاني (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ). وأخطر من هذا الكلام الآن بالصور الموثقة والكشوفا العلمية تحت الأرض أن الأرض تحت المحيطات –وفقا للثوابت العلمية الموثقة- بها صدوع عميقة جدًا تصل إلى الصهير، فالآن في هاواي وغيرها من بقاع الأرض هناك براكين تطلع من تحت المحيطات؛ كالمحيط الهادي الذي يقذف وسط المحيط! إذًا (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ).

ثم ثبت أن الأرض كلها محزمة بصدع واحد يمر بجبل سانت هيلانا بجوار أمريكا الشمالية يحزم الكرة الأرضية، إذًا فالكرة الأرضية بها صدع واحد. (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) هذا المفهوم صوروه بالآلات والجو، وبالأقمار الصناعية، ولم يكن من الممكن أن تتاح هذه المعلومة لابن كثير، أو ابن جرير على فضلهم، وعظيم قدرهم، فهذا تراكم معرفي حصلته البشرية جيلًا وراء جيل، وقرنًا وراء قرن، وبحث وراء بحث، واستطلاع واستكشاف، وأدوات حتى وصلنا لهذه المعلومة لنفهم ما معنى (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) إذًا هناك معان كثيرة لهذه الآية.

(إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ) يعني كأنه من جو الصدع إلى جو الصدع، الأرض ذات الصدع وأنت أيها المؤمن اصدع بما تؤمر، شق الباطل، كما تشق البذرة الضعيفة الصخر، بحقك يبنغي أن تفلق صخرة الباطل. (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ* إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا) كيدًا عظيمًا، فجاءت منكرة هنا لتدل على أنها مسألة كيد عظيم، وليست كيدًا عاديًا (يكيدون كيدا وَأَكِيدُ كَيْدًا) أعظم منه. (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) إنهم صائرون إلى غلبة الحق عليهم، وصائرون إلى مصائرهم وآجالهم، وموتهم، ثم صائرون إلى عذاب الملائكة لهم حين وفاتهم، ثم صائرون إلى بعثهم، فحسابهم، فجزائهم، ينتظر الكافرين أمر مهول جدًا (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) لا تستعجل لهم، منيتهم قادمة، آجالهم قادمة، حسابهم قادم.

هذا جو سورة الطارق أرجو أن أكون وفقت في عرض موجز سريع شامل لهذه السورة العظيمة من سور جزء عمّ، وإلى الملتقى بكم في سورة تالية، أستودعكم الله، حياكم الله، السلام عليكم ورحمة الله.

 

http://www.fawaed.tv/episode/8624



التعليقات

  1. وفاء بركات علق :

    سبحان الله

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل