معرفة الحق - تبديل كلمات الله أم لا تبديل؟

معرفة الحق

د. محمد داوود

كلمات الله، تبديل أم لا تبديل؟

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

دعوى التناقض في القرآن الكريم بين آيات وآيات من مثل: يقولون ويسألون عن قول الله سبحانه وتعالى (لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) يونس) ثم في القرآن الكريم نجد (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٠١﴾ النحل) الآية كلمات الله. كيف يأتي هنا نفي أنه لا تبديل لكلمات الله ثم يأتي بيان في القرآن (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ) أليس هذا من التعارض؟! أليس هذا من التناقض؟!

في الحقيقة دائمًا نكرر السياق بنوعيه:

·         السياق اللغوي الذي يؤخذ من الكلام، كما نحدد الكلمة من الكلام الذي جاءت فيه مثل كلمة (جذر) إذا قيلت في بيئة فلاحين غير بيئة لغويين وككلمة (عين) قد تكون عيون الدولة بمعنى المخابرات وقد تكون العين محل النزاع حكم بها القاضي بمعنى العقار أو الشيء المتنازع عليه وقد تكون العين بمعنى البئر والمياه العذبة.

·         أو سياق الموقف الأحوال التي تكون حول الكلمة الواحدة. فإذا ناديت تلميذًا من تلاميذي في الدراسات العليا قلت: يا ولد تعال! فإنه يأنف ويستشعر أني أهنته بعض الإهانة. لكن لو أن معلّقًا رياضيًا في فريقنا القومي يلعب مبارة في نهائي كأس العالم، في آخر عشر دقائق قد نحصل على الكأس لو أن لاعبًا من اللاعبين أحرز هدفًا، وفي الدقائق الأخيرة أحرز لاعب هدفًأ صحيحًا، كيف يكون حال المعلّق يقول: يا ولد، يا ولد! فكلمة (يا ولد) هنا مدحًا وليست ذمّا، والذي أعطاها معنى المدح هو الموقف. إذن السياق سياق لغوي وسياق موقف وهكذا في القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين.

فربنا حين قال (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) قالها في سياق الحديث عن سنن الله الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير، سنن الله الكونية المتمثلة في قوانين الله التي تضبط حركة الكون (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴿٤٠﴾ يس) هذه السنن والقوانين المضطردة التي لا تتبدل ولا تتغير، تطفو السفن بحسبها، تطير الطائرات بحسبها، لو أن هذه السنن والقوانين التي تضبط حركة الكون تغيرت ما أمكننا أن ننتفع بها في سفن، في طائرات، في أجهزة نسجّل بها اليوم، هذه السنن لا تتغير ولا تتبدل فالقرآن يتحدث عن سنن الله الكونية فقال (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) كلمات الله هنا تساوي سنن الله الكونية.

أما الآية التي قال ربنا فيها (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ) فجاءت في سياق الحديث عن النسخ (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٠٦﴾ البقرة) النسخ بمعنى التغيير فالقرآن يتحدث هنا عن النسخ فكلمات الله هنا والتغيير والتبديل و(وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ) بمعنى النسخ. فالآية هنا بمعنى والآية هنا بمعنى ولا تناقض.

من ذلك (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴿١٠٩﴾ الكهف) كلمات الله هنا إنما هي قدرة الله سبحانه وتعالى، طلاقة القدرة الإلهية كلمات الله هنا سبحانه وتعالى ما استودعه الله في قرآنه في كلماته من آفاق الهداية التي لا تنتهي ما استودعه الله في قرآنه من آفاق المعاني التي لا يحيط بها علم عالم. يأتي القرآن متجددًا لأهل كل زمن، يأتي القرآن حيًّا خالدًا لأهل كل عصر إلى يوم القيامة، لا تنفذ دلالاته، لا تنفد عطاياه ولا قدرات ولا آفاق هدايات وكلمات الله لأنها على مستوى طلاقة القدرة، لها طلاقة المعنى وطلاقة الهداية وسبحان من هذه كلماته و هذه آياته وهو بلسان عربي مبين.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل