معرفة الحق - تكرار (فبأي آلآء ركما تكذبان)

معرفة الحق

د. محمد داوود

فبأي آلآء ربكما تكذبان

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

هذه حلقات دافعها المحبة والمحبة هي عنوان المسيحية، دافعها الحكمة والحكمة هي عنوان اليهودية وسيلتها العقل والعقل إنما هو سبيل الإنسانية للتفاهم على مختلف الأزمنة والأمكنة أيضًا.

معرفة الحق إنما تسهم في أن يفهم بعضنا بعضا، في أن يقترب بعضنا من بعض، تسهم في إزالة العداء المتوّهم الذي قد يكون بيننا.

من الشبهات التي تثار كثيرًا شبهة التكرار في القرآن والنموذج الذي يأتون به ويلقون به في وجوهنا نموذج في سورة الرحمن أن تكرر (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تكررت واحد وثلاثون مرة.

(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ﴿٤١﴾ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٢﴾ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٤٣﴾ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ ﴿٤٤﴾ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٥﴾ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦﴾ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٧﴾ الرحمن)

يقولون كيف يتكرر في سورة واحدة 31 مرة قول الله عز وجل (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ كان يكفي ثلاث مرات لكن 31 مرة؟! هي ملاحظة في موضعها لكن لو علمت الحكمة لنالك الإعجاب والروعة والدهشة من هذا البيان الرباني.

لما جاء ربنا يقول لهم ويأمرهم أن يسجدوا للرحمن، أن يعبدوا الرحمن كان اسم الرحمن غريبا عليهم قالوا وما الرحمن؟ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا  ۩﴿٦٠﴾ الفرقان) فأنزل الله سورة الرحمن ليعرّفهم باسم الرحمن وأنه من أسماء الله الحسنى والرحمن هو الله وصفات الله وآلآء الله هي كيت وكيت (الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾) إلى آخر السورة. لكن لما تعدد النعم وتنوعت النعم وجب التذير بعد كل نعمة لأن ربنا في القرآن بيّن أن نعمة واحدة كل خلقه عاجز عن إدراك فضائل الله ورحمة الله وآثار الله في نعمة واحدة وهذا اعترضمت عليه حين قال ربنا (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٨﴾ النحل) وقلتم هل المفرد يُعدّ؟ الذي يُعدّ هو الجمع، والحق أن هذا الأسلوب هو أسلوب عربي أيضًا. حين يقول ربنا (واسأل القرية) هل تسأل جدران القرية وحوائطها أم تسأل أهل القرية؟ تسأل أهل القرية، لكن لغة القرآن تقوم على الإيجاز وحذف المعلوم بالضرورة فلا يقول واسأل أهل القرية إنما يقول (واسأل القرية). كلنا نستعمل هذا الأسلوب فأسألك هل معك محمول؟ أقصد به الهاتف المحمول ولا أقول الهاتف المحمول نختصر ونقول "المحمول". فربنا سبحانه وتعالى بأسلوب الإيجاز وهو أسلوب عربي بليغ (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ) الذي يُعدّ ليس النعمة وإنما أفضال النعمة وإن تحصوا وإن تعدوا وإن تحاولوا أن تحصروا وأن تعدوا آثار الله في نعمة واحدة فكل الخلق عاجز عن إحصاء أفاضل الله في نعمة واحدة.

سؤال آخر: إن كان التذكير بعد النعمة فهذا شيء تقبله العقول لكن إن كان التذكير بعد آية عذاب، كيف يأتي التذكير بالنعم؟! (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ﴿٣٥﴾) بعدها (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٦﴾) كيف يتأتى ذلك؟!

وهنا أجاب العلماء المحققون أن من حذّرك من الشر قبل وقوعه حتى لا تقع فيه فقد أنعم عليك. يأتي الطبيب ويقول لك لا تكثر من أكل السكر أو الملح لأنه يضر بصحتك، فهذا المنع والتحذير ليس الغرض منه الحرمان ولا التعذيب وإنما الغرض منه أن لا تقع في الآثار المؤدية إلى ذلك. فالله سبحانه وتعالى حين حذرنا من الشر قبل وقوعه حتى لا نقع فيه فهو من أنعم النعم من الله سبحانه وتعالى أنه حذرنا من الشر قبل وقوعه حتى لا نقع فيه فجاء التذكير بالنعمة بعد آية العذاب.

إذن من حذّرك من الشر قبل وقوعه حتى لا تقع فيه فقد أنعم عليك لذلك جاء التذكير بالنعمة بعد آية العذاب. وفي الحقيقة ليس هنالك تكرار ولكن هناك تعدد للنعم وتنوع للنعم فوجب التذكير بعد كل نعمة نسأل الله أن يرزقنا نعمة الفهم الصحيح وسبحان من هذا كلامه.  

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل