علّمه البيان - سورة يوسف - 4

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

قصة يوسف عليه السلام - 4

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

يوسف عليه السلام لما استبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا) ولم يقل "ألفيا سيدهما" لأنه لا سيد على الأنبياء مع أنه هو عبد مملوك فالمفروض أن يقال (سيدهما) وإنما قال (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا) هي إذ أن الله تعالى حذف السيادة عن نبيه يوسف عليه السلام (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ) بمعنى عند وحتى في الخط كتبت (لدا) بالألف الممدود يعني لم يدخل وإنما خارج الباب، ولم يكن داخل باب الغرفة، لم يدخل سيدها الغرفة لأن القرآن من حيث خطه وترتيبه يعطيك مقام الشخص في أي مكان موجود. لو كان داخل الغرفة لكانت (لدى) بالألف المقصور ولما كان المستشار خارج الغرفة لم يدخل قال (لدا الباب) بالمدود يعني خارج الباب فإذا قلت (لدا) بالمدود يكون خارج الباب وأما إذا كان داخل الباب بمعنى (في) فالعرب تكتبها بالمقصور (لدى).

(وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٥﴾ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٢٦﴾ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٧﴾ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴿٢٨﴾)

ومن ثمّ جاء في القرآن الكريم (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ (18) غافر) بمعنى (في الحناجر)

فـ(لدا) بمعنى عند فاكتب بالألف وإن بمعنى في فبالياء أُلف نحو لدا الباب لدى الحناجر - كما ذكر في فنون الرسم-.

(وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسجن) لم تقل بامرأتك وإنما قالت (بِأَهْلِكَ) لأنها كانت في مكان لا يصلح أن يكون فيه إلا صاحب البيت. فقالت (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا) ثم أصدرت حتى لا يصدر المستشار حكمه بالقتل (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٥﴾) فأرادت أن ترفع عنه عقاب القتل لأنها تعلم أنه مظلوم. ويوسف عليه السلام أوتي العلم أكثر من الحكمة فدافع عن نفسه بالعلم لا بالحكمة فقال (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴿٢٤﴾ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٥﴾ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) لأن الله تعالى أعطى بعض الأنبياء أكثر الحكمة مع العلم وهناك من الأنبياء من أُعطوا أكثر العلم مع بعض الحكمة وكان منهم يوسف عليه السلام أعطي كثير العلم مع بعض الحكمة وإبراهيم أعطي أكثر الحكمة مع بعض العلم وذلك يكمن في قول الله تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ (253) البقرة) وكلما ذكر الله يوسف يقدم العلم على الحكمة وكلما ورد إبرهيم في القرآن يقدم الحكمة على العلم لأنها هي الأكثر التي أفيضت على إبراهيم. فقال تعالى في يوسف (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٦﴾) في يوسف قدّم العلم على الحكمة لأنه أعطي العلم أكثر من الحكمة، وفي إبراهيم لأنه أعطي الحكمة أكثر من العلم قال (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) الأنعام) في يوسف قدم العلم على الحكمة لأنه أعطي العلم أكثر وفي إبراهيم قدّمت الحكمة على العلم لأن إبراهيم قد أفاض الله عليه من حيث الحكمة والحكمة هي وضع الشيء في مكانه فلما كان يوسف عليه السلام قد أوتي أكثر العلم دافع عن نفسه من خلال العلم بينما أن الحكمة تأتي من أسرار البيان فقال (مَعَاذَ اللَّهِ) فأنشأ الله من يتكلم بالحكمة من تحت قدمه وهو الرضيع فكان الرضيع الصغير هو الذي انطقه الله فقال (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٢٦﴾ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٧﴾ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴿٢٨﴾) ولم يقل من كيدك إذ أن المرأة لا كيد لا إلا إذا أضيف لها كيد غيرها، تزيد في الأمر إما في الخير وإما في الشر. قد يكون كيد المرأة في الخير قليلا إذا اجتمع النسوة يخرجون بنتيجة كبرى من الخير وقد يكون كيدها في الشر قليل لكن إذا أضيف لها كيد غيرها تفاقم الكيد وعظم ومن ثمّ قال (إِنَّ كَيْدَكُنَّ) ولم يقل (من كيدك) زهذه المسألة علينا أن نعرفها في لطائف البيان: النساء إذا اجتمعن على خير يخرجن بنتيجة لأن كيدهن عظيم في الخير وإذا اجتمعن على شر وكانوا من أهل الشر والعياذ بالله يخرجن بنتيجة. ولو رجعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونسائه كن على الخير لكنهن حين اجتمعن على شيء يضر النبي صلى الله عليه وسلم ويسوء إليه طلعن بنتيجة لما اجتمعوا عليه في مسألة العسل وقالوا أن العسل فيه رائحة كريهة ولا يذهب إلى فلانة لأن عندها العسل فكلما سلم على إحداهن قالت يا رسول الله إن في فمك رائحة مغافير أي رائحة كريهة، فقال هذا العسل الذي يأتي منه هذا الذي ذكرتم سنحرمه من الآن، حرمته على نفسي. فاجتعمن عليه فحرّم العسل فلما اجتمع النسوة على محمد صلى الله عليه وسلم كان من نتيجة الاجتماع أنه حرّم شيئًا أحلّه الله فأنزل الله معاتبته من السماء (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١﴾ التحريم) انظروا إلى كيد النساء وهم نساء المصطفى صلى الله عليه وسلم ولكنهن لما اجتمعن على هذا اضطر المصطفى على أن يحرّم حلالا ولو أن الأمة اجتمعت على أن يحرّم رسول الله شيئا ما حرّمه لكنه جمع النسوة يستطيع أن يصل إلى أمور في الخير وفي الشر.

وأصحاب يوسف من النسوة لما اجتمعن على يوسف، دخل يوسف السجن، لما كان مع زليخة لم تهزمه لكن حينما اجتمع النساء الكبراء على يوسف قال (السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) لما اجتمعن على يوسف أدخلوه السجن، ولما اجتمعن على النبي صلى الله عليه وسلم حرّم العسل. إذن (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ).

ومن ثمّ جاء ذكر النسوة بالفرد (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) ولم يقل قالت النسوة، في اللغة لها مدلولات أخرى لكن في البيان نستشف منها أمرا غريبًا ورد جمع النسوة بالقوة وجاء مذكرا لأن فيه قوة (وَقَالَ نِسْوَةٌ) وجمع الرجال حينما يأتي لأن كلًا يريد رأيًا يأتي مؤنثًا (وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (72) آل عمران) أما عن جمع النسوة فقد جاء مفردا (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ). ما خرجن من المقام إلا وقد حكم يوسف على نفسه بالسجن (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ).

 

هذا ما له علاقة بجمع النسوة على يوسف عليه السلام وسيأتي الكلام عليه في الحلقة الآتية.  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل