معرفة الحق - شبهة اضطراب الضمائر

معرفة الحق

د. محمد داوود

شبهة اضطراب الضمائر

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

زعموا وتوهموا أن هنالك اضطرابا في استعمال القرآن الكريم للضمائر. نأخذ أمثلة مما ساقوه كشاهد على زعمهم:

(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴿١١١﴾ المائدة)

زعمهم أنهم قالوا انظروا إلى قول الله عز وجل (قَالُوا آَمَنَّا) المتكلم هنا جمع ثم بعدها يقول القرآن (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) مع أن الضمير يعود على الجمع على الحواريين فكيف يأتي المفرد (وَاشْهَدْ) وهم يزعمون ينبغي أن تقول الآية: قالوا آمنا وشهدنا حتى يصير الضمير جمعا في كل الأحوال.

هذه الشبهة ناتجة من قلة الحس اللغوي، من قلة الزاد اللغوي، هي شبهة لا تعود إلى النص ولا إلى الآية بقدر ما تعود مزاعمهم لقلة زادهم في اللغة لأن العكس هو الصحيح.

أولا (قَالُوا آَمَنَّا) أنهم في قولهم هذا إقرار بالإيمان بالله سبحانه وتعالى ثم انتقلوا من الإقرار إلى الدعاء لله عز وجل أن يتفضل عليهم ويشهد لهم بهذا الإيمان كي يتقبله منهم ويرضى عنهم وكي يحصلوا كل المنازل البركات والهدايات التي تتأتى بسبب حصول الإيمان فهذا دعاء بعد إقرارهم بالإيمان ولو سارت الآية على زعمهم لكان في الكلام تكرار لا يُقبل لأن قولهم (قَالُوا آَمَنَّا) لو قلنا على حد زعمهم "وشهدنا بأننا مسلمون" هو إقرار بعد إقرار بنفس المعنى، وهذا تكرار وليس فيه إضافة لكن القرآن بهذا الأسلوب الموجز جمع بين الحسنين، جمع بين معنى الإقرار (قَالُوا آَمَنَّا) إقرار بالإيمان بالله وجمع بين حسنى الدعاء لله عز وجل أن يشهد لهم بهذا الإيمان كي يتقبله منهم كي ينعم عليهم بكل ما بشر الله به في قرآنه إذا حصل الإيمان في قلب المؤمن وتحقق المؤمن بحقائق الإيمان.

يسير في نفس السياق في زعمهم قول الله عز وجل في سورة الفتح في الآية الثامنة والتاسعة (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٨﴾ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٩﴾ الفتح)

(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم (شاهدا  ونذيرا) ولكنهم يعترضون ويقولون أن الخطاب في البداية كان للنبي ثم في الآية التي بعدها تحول الخطاب من خطاب النبي (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ) إلى خطاب المؤمنين (لتؤمنوا بالله ورسوله) فقالوا هذا التحول فيه اضطراب في استعمال الضمائر في القرآن الكريم. فلو قال في حد زعمهم "إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ليؤمن بك أهل الإيمان" فالضمائر تكون مع بعضها لكنه يتحول من خطاب النبي إلى خطاب المؤمنين (لِتُؤْمِنُوا) والحق أن هذا فن بلاغي يسمى في لغة العرب بفن الالتفات يعني إيقاظ الانتباه حتى يدرك المؤمن أهمية هذه الرسالة وأهمية أن جعل الله سبحانه وتعالى رسولا وشاهدا ومبشرا للمؤمنين ونذيرا للعصاة والكافرين لماذا؟ يبين ربنا الحكمة من ذلك (لِتُؤْمِنُوا) وهذا هو فن الالتفات حين يتحول الكلام من خطاب الغيبة إلى خطاب الحاضر، إلى خطاب المخاطب، ليوقظ المنتبه وبيبن الحكمة التي يريد أن يظهرها ربنا سبحانه وتعالى.

في الآية التي بعدها لهم لكلام أيضًا، يقولون (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) فيقولون ما هذا الخلط في الضمائر؟ (وتسبحوه) معلوم أنه عائد إلى الله عز وجل (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) هذه للنبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى الظاهر، فلم الخلط في الضمائر والضمير يعود إلى أقرب مذكور؟ والحق كما أقره الزمخشري في الكشاف وكما بينه أبو حيان وكم بينه وأكده الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير وبينه أئمة اللغة أن الضمائر الثلاثة في (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ) جميعها تعود على الله عز وجل. تعزروه تعود على الله؟ نعم، (إن تنصروا الله ينصركم) كيف تعزر الله عز وجل؟ بنصرة هديه وطاعته ومنهجه، هذه هي النصرة، حين نقيم منهج الله في الأرض، حين نحقق خلافتنا على هذه الأرض حين نحقق أن الحياة في سبيل الله في مرضاة الله هذه هي النصرة لله. وهكذا في (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ) وعلى هذا لا مخالفة للقواعد ولا اضطراب في عود الضمير وإنما هي الحكمة البالغة.

(وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) ونقف هنا ثم نبدأ (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) حتى نصل ما كان فيه عود الضمير فيه على الله عز وجل وما كان فيه عود الضمير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوجهان على هذا النحو ليس فيهما مخالفة للقواعد ما دامت القرينة واضحة والبيان واضح.

 

https://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=swfkl4J7Qx0



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل