معرفة الحق - الطعن في حروف الجرّ

معرفة الحق

الطعن في حروف الجرّ

د. محمد داوود

اليوم نتناول جانبًا من الأسئلة التي صعدت إلى مستوى التشكيك في استخدام حروف الجر في القرآن الكريم. من ذلك يقولون القرآن الكريم يستخدم حروف الجر على نحو غير مألوف في العربية وقواعد العربية (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾ النساء) (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، تأكل الأموال إلى الأموال أم مع الأموال؟ إن من المعتاد والجاري في القواعد أن يقال تأكل الشيء مع الشيء أو تأخذ الشيء مع الشيء لكن ليس معتادًأ في الحس اللغوي أن تقول أنت تأكل الشيء إلى الشيء، هذا هو اعتراضهم كيف يقال (إلى) والمعتاد أن يقال تأكل الخبز (على) اللحم لا (إلى) اللحم، فكيف أتت هنا (إلى)؟ ويزعمون أنها مقحمة، وآيات أخرى سوف يأتي ذكرها، ما الحقيقة في ذلك؟

أولا السياق والنمط البلاغي لاستخدام الآيات في القرآن الكريم. يقول ربنا سبحانه وتعالى في أول الآية (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) في سياق الحديث عن أموال اليتامى والمحافظة على هذه الأموال من أن تنالها يد السرقة أو يد الاختلاس أو نحو ذلك (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) (إلى) في اللغة إنما تفيد انتهاء الغاية يعني يكون بين   وهذا معنى لطيف للغاية يبينه القرآن في هذا الاستخدام البديع لحرف (إلى) بدل (مع) ليفيد استقلال الذمة المالية لليتامى، أنت ترعاها لكن لا تظلم ولا تجور، استقلال الذمة المالية، المحافظة واضحة لها حدود. كلام الحكيم كله حكمة كل حرف إنما لحكمة ولغاية وسبحان من هذا كلامه، لذا جاءت الآية في سياق الذمة المالية لليتامى والمحافظة على أموال اليتامى وعدم الجور على مال اليتامى فناسب ذلك استخدام حرف الجر (إلى) بدلًا من (مع).

نأتي إلى آية أخرى، يقولون في شأن فرعون لما انقلب على السحرة الذين آمنوا لما رأوا أن المسألة عند سيدنا موسى ليست سحرا وليست عملًا بشريا وإنما هي قدرة الله سبحانه وتعالى وأعلنوا أنهم آمنوا برب موسى وهارون فتوعدهم أنه سيقطع أيديهم وأرجلهم من خِلاف ثم قال لهم (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)

(قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴿٧١﴾ طه)

قالوا إن الصَلْب لا يكون داخل الشيء، (في) تعني الظرفية إنما الصلب يكون على سطح الشيء لا يكون باخل الشيء فكيف يستخدم القرآن حرف الجر (في) بدلًا من حرف الجر المناسب هنا على حد زعمهم (على)؟ والحق أن القرآن الكريم أتى بحرف الجر (في) (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) ليفيد أن الربط وثيق جدًا ومحكم جدًا وشديد جدًا لدرجة أنه من إحكام الربط وشدته صار الشيء المصلوب على الشيء المصلوب عليه صار كأنهما شيئا واحدًا كأن الشيء المصلوب دخل في الشيء المصلوب عليه من إحكام الربط وشدته فبيّن ربنا سبحانه وتعالى أن الصلب هنا ليس صلبا عاديا ولكنه صلب متميز به إحكام، به شدة من الربط والقيد حتى صار الشيء المصلوب والشيء المصلوب عليه شيئًا واحدًا، دخل فيه صار جزءًا منه فجاءت (في) التي تفيد الظرفية فقال ربنا سبحانه وتعالى (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ).

نأتي إلى آية أخرى (أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) المؤمنون) يسارعون في الخيرات، ورد الفعل (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) آل عمران) الإنسان يسارع إلى الشيء بينه وبين الشيء مسافة، (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (إلى) تفيد انتهاء الغاية، بينهم وبين المغفرة مسافة، إنهم يقطعون المسافة بينهم وبين المغفرة تُقطع بالتوبة، بالذكر بالتسبيح وبالعمل الصالح ليدركوا مغفرة الله. ولكن هنا (أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (في) تفيد الظرفية يعني أن هؤلاء القوم داخل الخير لأن هذه الآية لها سياق خاص، والسيدة عائشة لما قرأت الآية (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) المؤمنون) قالت: يا رسول الله هل هو الرجل يسرق يزني يفعل المعاصي ويخاف إذا رجع إلى ربه أن يعاقبه الله عليها؟ قال: لا يا عائشة إنما هو الرجل يصوم ويصلي، يفعل الخيرات ويخاف إذا رجع إلى ربه أن لا يتقبل الله منه ذلك، يا عائشة (أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) هم داخل الخير، (في) تفيد الظرفية يعني هم يجتهدون في الخيرات فأصبحت المسارعة هنا تفيد الازدياد في الخير والمنافسة في الخير والسعي الحثيث إلى ملء الحياة بهذه الخيرات وهذه الأعمال الطيبة فجاء ذكر (في) بدلًا من (إلى) ليفيد هذه الدلالة. ذلك لأن حرف الجر يؤثر في الفعل فيصرف دلالة الفعل من معنى إلى معنى، هل رأيت حين تقول: رغب فيه ورغب عنه؟ رغب فيه بمعنى أنه أحب الشيء وتعلق به ورغب عنه تفيد أنه انصرف عن الشيء ولم يعد يرغب فيه ولم يعد يحبه. تقول مال إلى ومال عن، المعنى وضد المعنى إنما جاء بسبب حرف الجر. سبحان من هذا كلامه سبحان من هذا بيانه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب.

رابط المشاهدة

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل