معرفة الحق - التشكيك في زمن الفعل

معرفة الحق

التشكيك في زمن الفعل

د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

في هذه الحلقة نلتقي حول جملة من الأسئلة، جملة من المزاعم والتشكيك حول زمن الفعل في القرآن الكريم. قالوا إن استخدام زمن الفعل جاء غير منضبط بقواعد الأزمنة اللغوية المعروفة في اللغة العربية ودلالة هذه الأزمنة على الماضي والحاضر والمستقبل وقال بعضهم فيه اضطراب.

(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) الصافات)

ربنا سبحانه وتعالى لما قال (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) هذا مشهد قد مضى وحدث قد مضى وجاء في صدر الآية الفعل الماضي (فَلَمَّا بَلَغَ) ثم يقول بحدث المضارع، الحاضر (أرى) الرؤية في المنام ليست حاضرة الآن وإنما هي وصف قد مضى، فلم يأتي القرن بصيغة المضارع ليدل بها على وصف الماضي؟ هذا سؤال وجيه إنما القرآن حين يريد أن يستحضر إلى الذهن هذا الحدث في صورته التي كانت تحدث ويستحضر هذا الماضي البعيد ليكون حاضرًا واستحضار الصورة الذهني القديمة فيأتي بالفعل المضارع، وهذا بيان عظيم في أنه يريد أن يستحضر لك الحدث والصورة الذهنية للحدث وما كان في الحدث من أحداث (إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) وهذا يفيد أن القرآن ينتقل بالعقل، ينتقل بفكر الإنسان إلى هذا الماضي كأني أعيش أحداث الماضي كأني أصبحت جزءًا من هذا الحدث وأنا أراه بنفسي وهذا من قمة البلاغة وهذا من قمة البيان وهذا من قمة ربط الإنسان بهذا الحدث وبصورة هذا الحدث. إذن التعبير في هذه الآية (إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ) إنما لاستحضار الصورة الذهنية وربط الإنسان وجعل الإنسان جزءا في داخل الحدث حتى تعيش تأملات ذلك الحدث ونتائج ذلك الحدث  وكل ما يتعلق بهذا الحدث من مشاعر وفكر وعقل واستنتاج.

نأتي إلى آية أخرى يستخدم فيها القرآن الكريم (كان) التي تفيد الماضي لكنها لا تدل على الحاضر لا تدل على المستقبل كأن أقول: كان في المدنة رجال، كان في المدينة حُكام، كان في المدينة قصور، هذا في الزمن الماضي، أنا أتحدث عن الزمن الماضي لكن حين يقول ربنا عز وجل (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿٤٠﴾ الأحزاب) حين يقول ربنا (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) كان والآن ماذا عن الله في المستقبل؟ إن حكمة الباري في هذه البلاغة الربانية حين يعبّر عن هذه الحقائق الأزلية يعبّر عنها بهذه الكينونة كان ولا يزال إلى يوم القيامة إلى أبد الدهر بكل شيئًا عليمًا لكن التعبير بالماضي ليفيد وليؤكد أزلية الحدوث وليفيد أزلية الحدوث وأزلية هذه الصفة في حق الله سبحانه وتعالى فتجد ثيرا في القرآن (وكان الله) (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) إذن التعبير بالماضي هنا له حكمة.

في مجال آخر، يوظف القرآن الكريم الزمن لهذه الدلالات التي يريد أن يظهرها القرآن الكريم (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١﴾ النحل) (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴿١﴾ القمر) (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) الحديث ليس عن أمر مضى وإنما عن أمر مستقبل فكيف يعبر عن المستقبل بالماضي، أتى أمر الساعة فلا تستعجلوه، كيف يعبر القرآن الكريم عن المستقبل بالماضي؟ إن القرآن يريد أن يفيد الإنسان بحقيقة مؤكدة بأرقى أنواع التأكيد وهي رؤيا العين في الأمور التي حدثت بين يديك أنت تراها وتعيشها فحصول ذلك المستقبل إنما هو في حكم الأمر الذي تحقق أمامك وأمام عينيك وبين يديك. أمر الساعة مثل هذه المشاهدات التي تمت ورأيتها وحدثت وتحققت فإن كنت تشك في الشيء الذي حصل عندك وتحققت منه وحصل أمام عينيك وبين يديك فشُكّ في الساعة، أنت تتأكد من الأشياء التي رأيتها وليس مع العين أين وحدثت وتأكدت لديك، تأكد لديك أنك أنجبت طفلًا، هذه حقيقة وشيء قد حدث تراه أمام عينيك أنت عشته واقعًا فالقرآن يبين لك أن حدوث الساعة متحقق كتحقق الأمر الذي وقع ولا مراء فيه ولا جدال فيه، القرآن يريد أن يعطي أعلى درجات التأكيد للحدوث للأمر الذي في المستقبل ليكون في حكم الذي وقع وتحقق في الماضي فقال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ). وسبحان من هذا كلامه وهذا بيانه، إنها عظمة ليست شبهة وإنما عظمة وبلاغة وحس لغوي مرهف لكن وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب.

 

https://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=QILt8bfKSBU



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل