نظرات في سورة الكهف - الحلقة الثانية عشرة

نظرات في سورة الكهف - الحلقة12

د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الحلقة 12
(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿٢١﴾ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٢٢﴾)

نحن مواصلون مسيرتنا مع هذه النظرات في سورة الكهف مع قصة فتية الكهف الذين باسمهم سميت هذه السورة الجليلة العظيمة المباركة وكل القرآن كذلك لكن معاني القرآن كالزهر لا تعرف ألوانه وروائحه إلا إذا تفتح وتفتح الزهر بالفهم والتفسير إذا فُسّرت الآيات واتضحت معانيها كالزهر لونه توضح وعبيره وشذاه فاح وملأ المكان. 

(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) كما أنمناهم أعثرنا عليهم، أقصد أن يُعثر عليهم، أراد الله تعالى أن يعثر الناس عليهم ليكونوا لكل الناس إلى آخر بشر من الناس على وجه الأرض ليظلوا آية وعبرة وقصة تتلى وسجلها كتاب الخلود في سورة من أعظم سوره لتظل قصة الفتية الذين دخلوا التاريخ من أوسع وأعرض أبوابه بما سجله كتاب الخلود. الناس تفرح إذا دخلوا في كتاب غينيس! وما غينيس أمام كتاب الخلود؟! هذا كتاب رب العالمين سبحانه فكيف بمن دخل هذا الكتاب بثناء الله العظيم عليه؟!

(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) الآخرة ستقوم حتمًا وأن الله سبحانه وتعالى سيبعث من في القبور بدليل الفتية الذين ناموا نومًا شبيهًا الموت أو ماتوا موتًا كالنوم، هم ليسوا ميتين لكن لا أحد ينام 309 سنوات، هذه حالة مدهشة فريدة معجزة غير مكرورة على الإطلاق. (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) ويبدو أن قصتهم متناقلة متداولة معروفة يتناقلها الناس جيلا بعد جيل، يبدو أن الفتية خرجوا ولم يعرف أحد عنهم أيّ خبر، الناس تناقلوا قصتهم فلما عثروا عليهم قالوا هؤلاء هم الفتية الذين حدثونا عنهم (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) من أعظم أعمدة العقيدة في هذا الدين الإيمان بالقيامة أن توقن بها يقينًا، لا تظن بها ظنًّا بل هو اليقين. 

من هنا يسوق الله تعالى قصة فتية الكهف ليكون لنا بالقصص هذا عبرة بالإيمان، بالموقف، الشباب وأهميتهم، أن ينشأ الشاب في طاعة الله وأن تعتقد يقينًا بالآخرة وأن الله سيبعث من في القبور وإياك والعابثين والمستهزئين والمشككين الذين يحاولون الاستخفاف بالآخرة، يحاولون أن يموّهوا الكلام ليُضعفوا عقائد الشباب بالذات، هذه قصة معبرة جدًا وهي دليل حسي على الإيمان باليوم الآخر. كيف نقول حسي ونحن لم نره؟ هذا خبر متناقل بالتواتر أمة عن أمة، يكفي أن كتاب الخلود والصدق المطلق سجّله حقًا لا مرية فيه، قطعت الآيات قول كل متشكك ومن لم يؤمن فجهنم واسعة جدًا! أسأل الله أن يرزقنا الإيمان والانضباط والالتزام، فلم نذهب لجنهم ونراهن على رهان خاسر؟! ابق! على اليقين والطريق الواضح والصراط المستقيم وما سر قوتنا إلا في هذا اليقين. الشباب العزّل الذين يصمدون مقابل أعتى قوة في العالم أليس باليقين بالآخرة؟ بلى والله! انتبهوا معشر الشباب هؤلاء فتية شاب مثلكم ضربوا لكم وللعالم أجمع المثل في قرآنكم العظيمة في هذه القصة العظيمة التي لا تنتهي عِبَرها.

(وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) أفتية الكهف تنازعوا؟ لا، الذين تنازعوا بينهم أمرهم هم أهل المدينة. صحيح كانت العملة متغيرة؟! هذه تفاصيل تجاوزها القرآن. هل العملة متغيرة؟ هل أزياء الناس متغيرة؟ هل أشكال الناس متغيرة؟ لا نعلم، كلها تفاصيل لا تهمنا لكن المهم أن الناس عرفوا أن هؤلاء هم الفتية الذين تُحدّث عنهم فتبعوهم إلى الكهف وهناك قضى الله تعالى أن يموتوا موتتهم التي قضى الله عليهم. كان استيقاظهم من النوم آية على البعث ثم ذاقوا الموتة التي كتبها الله على كل حيّ. أموتة واحدة مرة واحدة أم ماتوا كلٌ في أجله؟ لا نعلم، والقرآن لم يدخل في هذه التفاصيل.
يتنازعون بينهم أمرهم (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا) ما معنى بنيانا؟ ما يلي سيفسره (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿٢١﴾) إذن معنى بنيانا هنا هؤلاء تفكيرهم علماني، بنيانا هنا معلم أثري للسياحة، بنيان نُصُب ونقول هنا يرقد فتية في عهد فلان، يعملوا لوحة ينقشوا عليها ربما الحادثة وربما أسماؤهم، بنيانا يعني نُصُب، مَعْلَم، تفكير علماني ليس عنده الطابع الديني. أما الذين عندهم التفكير الديني وغلب عليهم الوعي الديني والمنطلق الديني قالوا (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) ويبدو أن أحكام شرعتهم لم تكن تمنع أن تقام المساجد على القبور وفي ديننا ممنوع إقامة المساجد على القبور، (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (48) المائدة) فالأحكام تختلف والخط الأساسي من الدين العقائد والأخلاق هذه ثوابت لا تتغير لكن بعض التفصيلات من الأحكام والتفريعات يمكن أن تتغير. (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) التاريخ دورات! تأملوا هذا النص القصير مشحون بالمعاني والعظات! خرج الفتية المؤمنة في وسط موج من الكفر وخرجوا فإذا المجتمع تغيّر وأصحاب الدين ما شاء الله! تغير التاريخ، فنقول لليائسين والمحبطين التاريخ دورات لا ترهن عقلك لمرحلة من المراحل أو فترة من الفترات (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (140) آل عمران) ربما نحن الآن في قاع السلم البشري لكننا سنصعد بالهمة بالإرادة بالعزم بالتصيميم بالفكر والتخطيط بالعدل سنصل.
(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) سيقولون أم قالوا؟ القرآن يشير إلى أن النزاع فيهم سيستمر (سَيَقُولُونَ) الفعل المضارع المتجدد، قالوا فيما مضى وسيقولون الآن وفيما بعد والحقيقة عندنا نحن في قرآننا بفضل ربنا، ليس غروروا ولكن هذا هو الواقع وهذه هي الحقيقة. (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) أوتار، ثلاثة، خمسة، سبعة، (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) صياد مثلا أغمض عينيه ورمى، إذا حدد الهدف بالكاد يصيب فكيف يصيب وهو مغمض عينيه؟! رجمًا بالغيب (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) ماذا كان عددهم؟ أثلاثة رابعهم كلبهم؟ أم خمسة سادسهم كلبهم؟ أم سبعة وثامنهم كلبهم؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله. 
http://trustartistic.com/view.php?file=natharat+alkahef+%2812%29
 

 
 


التعليقات

  1. alnamar علق :

    بارك الله فيك

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل