معرفة الحق - مطابقة بين المبتدأ والخبر

معرفة الحق

د. محمد داوود

المطابقة بين المبتدأ والخبر

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

نعيش مع جملة من الأسئلة إنما جاءت في صورة التشكيك والمزاعم حول عدم المطابقة بين المبتدأ والخبر في القرآن الكريم. من ذلك قول الله سبحانه وتعالى (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56) الأعراف) قول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) الرحمة مؤنث، قريب مذكر، يقولون لماذا لم يقل ربنا سبحانه وتعالى رحمة الله قريبة من المحسنين؟ المذكر ينبغي أن يعبر عنه بالمذكر والمؤنث يعبر عنه بالمؤنث، إن رحمة الله قريبة من المحسنين. نحن هنا أمام مسألة مهمة وهي أن القرآن يقصد أحيانًا اللفظ فيُخبر عن المذكر بالمذكر وعن المؤنث بالمؤنث وأحيانًا يقصد المعنى فيُخبر بلفظ يشير ويدل على حقيقة المعنى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ الحجرات) لأنه يريد أن يشير إلى معنى الجماعة وهي يموج بعضها ببعض بحيث لا يمكن فصل أفراد هذه الطائفة عن تلك الطائفة ساعة الاقتتال بينهم فربنا يشير إلى هذا المعنى فقال اقتتلوا ولم يقل اقتتلا.

وهنا الله يشير إلى المعنى إن رحمة الله قريب من المحسنين، ما القريب؟ القريب هو المطر، هو الغفران، هو عطاء الله عز وجل يشير إلى ما سوف تتحدث عنه الآيات التالية التي هي بيان وتفسير لرحمة الله القريبة التي تأتي فيقول الله تعالى بعد ذلك (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٥٧﴾ الأعراف) فربنا يدل بكلمة قريب إلى المعنى. وكلمة قريب إنما هي مصدر على وزن فعيل والمصدر يخبر به المذكر والمؤنث على السواء فيقال رجل قريب وامرأة قريب هذا في اللغة لا خطأ في ذلك. لكن لماذا اختار القرآن الخطاب بالمذكر هنا؟ للإشارة، للفت النظر إلى المعنى المطلوب من المغفرة، من عطاء الله، وكل ذلك المطر ونحوه إنما يكون بالمذكر وليس بالمؤنث.

هل رأيت الحكمة والدقة والبلاغة حين يشير ويلفت القرآن إلى هذا المعنى المقصود وهذه البشرى القريبة التي ستأتي والرحمة المقصودة هنا إن رحمة الله قريب من المحسنين، عطاء الله بالمغفرة، بالمطر وكل ما تحدثت عنه السورة الكريمة. وفي اللغة المصدر فعيل يخبر به على المذكر والمؤنث على السواء لا خلاف فتقول رجل قريب وامرأة قريب لا خلاف في القواعد على هذا.

ومثلها قول الله تعالى (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) الشورى)

لم يقل قريبة، الساعة مؤنث وقريب مذكر، قلتم أن المصدر فعيل يُخبر به عن المذكر والمؤنث على السواء يعني يمكن أن يأتي بالمؤنث الساعة مؤنث وكان يمكن أن يؤتى بالمصدر مؤنث فلم جاء بالمذكر؟ ليلفت الانتباه إلى المعنى المقصود وهو موعد الساعة (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) أي لعل موعد الساعة قريب، فجاء بالإخبار المذكر ليشير إلى التقدير إلى المعنى المطلوب، المعنى الذي يريد إظهاره فيشير إليه لأن المقصود هو موعد الساعة فجاء باختيار المذكر ثم أن المصر فعيل يخبر به عن المذكر والمؤنث على السواء فلا خلاف للقاعدة ولا اختلاف عن القواعد العربية وإنما هي البلاغة ولفت الانتباه إلى المعنى الذي يشير القرآن إليه كي ينتبه السامع إلى حقيقة المراد من قول الله عز وجل.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل