علّمه البيان - البلاغة في الإيجاز

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

البلاغة في الإيجاز

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

بلاغة الإيجاز في القرآن الكريم وذلك أن القرآن حينما يُخبر عن خبر أو ينبّئ عن شيء أو يأتي بأمر فطريقته في الإيجاز كما هو المعروف عنه أنه إن أوجز كان كافيًا وإن بيّن كان شافيًا وإن أشار كان وافيًا وإن حكم كان عادلًا وإن أكثر كان مذكِّرا وإن وعظ كان مؤثّرا، لا يمله قارئه إذا استرسل ولا يمله سامعه إذا تأمل فهو حلو إذا تذوقته العقول، بحر العلوم وديوان الحكم وجوهر الكلم ونزهة المتوسمين وروح قلوب المؤمنين نزل به الروح الأمين على محمد خاتم النبيين.

علماء البلاغة أنشأوا من بلاغتهم أمورًا كثيرة، ولذلك قالوا: فإن البلاغة لا نكون بلاغة حتى تفيد السامع، لأن إفادة السامع عند البلاغيين هو كل شيء في البلاغة. وتعريفها البسيط: هو أن يكون الكلام على مقتضى الحال. والبلاغيون نظروا إلى معنى الكلمة فجاء علم المعاني ثم نظروا إلى مبنى الكلمة فجاء علم البيان.

(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾ النبأ)

فعلم البلاغة إفادة السامع وأما علم المعاني هو أن تعبر عما في نفسك ليستفيد السامع، أما البيان فكله ألوان فالبيان له ألوان كثيرة، إذا قلت: محمدٌ عالمٌ فهذا المعنى، أما إذا قلت: محمد بحرٌ من العلم فهذا البيان، إذا ارتفعت في البيان فقلت: جلسنا مع بحر يحدثنا فأنت ارتفعت إلى أعلى. والبيان من أرقى ما أمر به الشارع الحكيم وقد قال سبحانه وتعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ (187) آل عمران) وقال عز من قائل (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ (159) البقرة) وقال تعالى (الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ الرحمن). وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن من البيان لسحرا. والبيان هو أن توصل للمستمع وأن تقنعه في وقت وجيز وهذا الذي جاء به القرآن فالقرآن الكريم لا تنقضي عجائبه يوجز الكلام ويختصر لك القصة الطويلة في وقت وجيز وقد اختصر الله قصة نوح عليه السلام في ثلاث كلمات (وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (44) هود) حتى الذين أرادوا أن يعترضوا على القرآن وألفوا بعض المؤلفات فيها الرد على القرآن من بعض الجهلة من الذين ضحك عليهم إبليس مثل أحمد بن يحيى وابن المقفع فلما بلغوا قوله تعالى (وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) علموا أن هذا القرآن جاءت ببلاغة أزلية تكييفها يخفى على الأذهان وقالوا هذا ليس من كلام البشر أبدًا لأن نظمه نظمه عجيب ومن ثمّ قالوا:

إن القرآن أحلى وأغلى ما له استمعت أذن وأعرب عنه ناطق بفم

بل القرآن اشرف مطلوب وطالبه لله أشرف من يمشي على قدم

فقدّس القرآن واعرف قدر حرمته في القول والفعل والآداب فالتزم

يا طالب القرآن لا تبغي به بذلا فقد ظفرت وربّ اللوح والقلم

واجهد بعزمٍ قوي لا انثناء له لو يعلم المرء فضل القرآن لم ينم

والنية اجعل لوجه الله خالصة إن البناء بدون الأصل لم يقم

فهو قرآن لأنه اشتق من القرء وهو الجمع، تقول العرب قرأت الشيء جمعته والقارئ هو الذي جمع شيئًا وهنا جاء بصيغة المبالغة بمعنى جمعان لأنه جمع خبر الماضي والحاضر والمستقبل فسمي قرآنًا أي جمعان بخلاف الكتب السابقة فكانت تتكلم عن قضيتين اثنين: تتكلم عن حاضرها ومستقبلها إلى يوم القيامة فلما جاء القرآن أضاف خبر الماضي قال سبحانه (تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ(49) هود) وقال تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ (3) يوسف) وقد سأل فرعون موسى عليه السلام لما جاءه (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ﴿٥١﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴿٥٢﴾ طه) ولم يجب موسى فرعون لأنه لا يعلم عن القرون السابقة بينما النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء بهذا القرآن وسألوه عن الماضي جاء بالجواب (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ (220) البقرة) (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ (83) الكهف) فكان النبي يجيب عن الماضي فضلًا عن الماضي فجاءهم بالمستقبل الذي عجز الناس عنه فضلًا عن الماضي الذي الناس فيه مختلفون فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة كثيرة فكان لا يعجز عن الرد فكلما سألوا سؤالًا (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (85) الإسراء) (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ (220) البقرة) (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83) الكهف) وكان يأتي بالقصص موجزة إذ أن القرآن بناه الله على الإيجاز في كل الأمور. والسر في ذلك لأن أمة محمد في وقت وجيز "بعثت أنا والساعة" فلما كان بيننا وبين الساعة وقتا قريبا فكان لا بد لهذا القرآن أن يأتي بكلام موجز يتناسب مع قصر عمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك من أسرار إيجازه أنه جاء يتناسب مع ما بقي من عمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تلعب في الوقت الإضافي وما بقي من الساعة إلا القليل وكان اليهود يقولون: إذا خرج نبيّ الساعة قامت القيامة. ورب العالمين دائمًا يخبر عن الأمور التي ستحدث بخبر الماضي لسرعتها (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) القمر) (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ (44) الأعراف) (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ (73) الزمر) يصيغ صيغة الماضي لتحقيق الأمور لأن المسألة سريعة ولما كانت المسألة سريعة كان لا بد أن ينزل كلاما أسرع من العقل فأنزل الله كلامه ونظمه نظمًا موجزًا وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أوتيت جوامع الكلم. بحيث أنه قد يجمع لك قصة طويلة عريضة في لفظة واحدة وتلك طريقة التنزيل وبه أعجز قريشًا ما استطاعت أن تأني بمثل هذا الكلام  إذن فإيجاز التنزيل أنه نزل يوم أن نزل قال لنبيه بواسطة جبريل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾ العلق) (اقرأ) بمعنى اجمع فأمره أن يجمع الأممور كلها لأن الله فطر كلامه على الإيجاز ببلاغة أزلية تكييفها يخفى على الأذهان هذا هو نظم التنزيل الذي أنزله الله تبارك وتعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

رابط المشاهدة

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل