علّمه البيان - اللسان العربي

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

اللسان العربي

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

اللسان العربي هو الذي عمدته قريش فكانت تنطق بأفصح لسان في عصرها ولذلك كان السبب أنها اتخذت قناتين لجمع هذا اللسان وخاصة من أسواقها الثلاثة ومن إرسال الصبيان الرضّع لكننا نتكلم عن اللسان الفصيح والفصاحة معناها إظهار شيء قد خفا تقول العرب أفصح الرجل إذا نطق بكلام سليم. والفصاحة موضعها اللسان قال تعالى (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا (34) القصص) فكل فصيح ناطق وليس كل ناطق فصيح، والمكان في الفصاحة موضعها اللسان فحبا الله بها أنبياءه

(الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴿٥﴾ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴿٦﴾ الرحمن)

لما قريش وضعت الأسواق الثلاث فكانت تجمع من خلالها اللسان العربي وقد وضعت الأسواق الثلاث لبيع الكلام لأن قريشًا لم تكن تبع وتشتري في مواسمها غير الكلام وقد جعلت لفلترة هذا الكلام حتى يكون الكلام فصيحًا صحيحًا جعلت النابغة الذبياني الذي كان محكّمًا في أقوال العرب يفلتر كلام الشعراء فمن صحّ كلامه أجازه أن يتكلم ومن لم يصح كلامه كان يرفضه النابغة وغيره من الشعراء. وذلك أن حسان بن ثابت كان شاعرا مخضرما في الجاهلية قد حكى قصة عجيبة حصلت له مع النابغة في لسان العرب، قال: قدمت على جبلة بن الأيهم ملك الغساسنة لأمدحه فوجدت عنده رجلين رجل له ضفيرتان عن يمينه ورجل آخر لا أعرفه فقال: أتعرف هذين؟ فقلت: أما هذا فالنابغة الذبياني وأما هذا فلا أعرفه، قال: ويحك، تدّعي الشعر ولا تعرف علقمة بن عبدة الفحل وهو سيد عكاظ؟! فإني سأستنشدهما فإن سمعت مقالهما فإن رأيت أن كلامهما أعلى مما ستقول فانصرف قال: فاستنشدهما الملك فنطق النابغة بقصيدته المعروفة:

كِلِيني لهمٍّ يا أميمةُ ناصبِ وليلٍ أعانيه من بطيء الكواكب

قال حسان: فذهب نصفي، ثم التفت إلى علقة فاستنشده فأنشد قصيدته المعروفة وهي من عيون شعره:

طحا بك قلب من الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب

يكلفني ليلًا وقد شطّ ويلها وعادت عوادِ بيننا وخطوب

منعمةٌ لا يُستطاع كلامها على بابها من أن تُزار رقيب

قال حسان فذهب نصفي الآخر، ثم التفت إليّ الملك فقال: أما وقد سمعت كلامهما فلك الخيار إن شئت أنشدت وإن شئت انصرفت، قال حسان فتشددت وقلت بل أُنشد فقال قصيدته المعروفة وهي من عيون شعره يمدح فيها الملك حتى ينجو من الشاعرين:

لله درّ عصابةً نادمتُها يومًا بجُلّق في الزمان الأول

يمشون في الحُلل المضاعف نسجها من الجِمال إلى الجِمال البُزّل

الضاربون الكبش يبرق بيضه ضربًا يطيح به بنان المفصل

الخالطون فقيرهم بغنيهم والمنعمون على الفقير المرمِل

أَبْنَاءُ جَفْنَةَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِمُ قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمِفْضَلِ

يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ

بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ شُمُّ الْأُنُوفِ مِنَ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ

فقال له جبلة: أقبل، ادنُ مني فوالله ما أنت بدونهما، فأعطاه عشرة اقمصة وثلاثمائة دينار وقال لك مثل هذا كل عام.

هذا يدل على أن العرب كانت تحرص على لسانها حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد اتخذ خطباء من فطاحل الخطباء والشعراء فقد جعل حسان بن ثابت يدافع عن الإسلام فكلما قام رجل يهاجم النبي صلى الله عليه وسلم فكان حسان يقوم له فيرد عليه بأكبر ما ذكر وقد رد على أبي سفيان قبل غسلامه لما هجا النبي صلى الله عليه وسلم

ألا أبلغ أبا سفيان عني بأنك مجوف نخب هواء

بأن سيوفنا تركتك عبدا وعبد الدار سادتها الإماء

هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء

أتهجوه ولست له بكفؤ فشرّكما لخيركما الفداء

هذا كله اللسان العربي الذي كانت قريش تحرص عليه. لكنه مع ما فعلت قريش وجمعت من اللسان وتيقنت وايقنت أنها قد وقفت على قمة اللسان العربي تحداها الله تبارك وتعالى بكلام نزل على لسان قريش والأعراب ولكنه من غريبه أنه من نظم العزيز الوهاب وهذا من أخطر الأمور التي لم تستطع قريش أن ترد عليه حتى أن الله تعالى قال لهم (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٣﴾ البقرة) فتحداهم الله بهذا الكلام فقالوا أنّى لمحمد بهذا الكلام الغريب؟ فقال الله لهم متحديًا (الر، المر،) من الحروف التي تركبون بها كلامكم جئناكم بهذا الكلام. إذن فالعربية لسان ومن ثمّ قد تجد الناس يتعلمون فنون العربية لكنهم لا يتقنون اللسان العربي وهناك جامعات تعلم العربية من نحو وصرف وغيره لكنها إذا أخذت البعض منهم تجده لا لسان له لأن العبرة من العلم أن تخرج بشيء عجيب يصل إلى الأسماع بل إلى القلوب لأن من الفصاحة تستطيع أن تنتقل إلى بلاغة الكلام والبلاغة كلام يخرج من النفوس إلى النفوس وهذا الذي ينبغي للإنسان أن يعرفه من حيث اللسان العربي والذي مدح الله به صفوة خلقه من الأنبياء (وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) مريم) وكما جاء عن موسى كذلك (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا (34) القصص) لأن السامع يريد أن يسمع كلامًا سليمًا وقد أنكر فرعون كما جاء في القرآن على موسى (أمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) الزخرف)

رابط المشاهدة

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل