علّمه البيان - لغات الكتب السماوية

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

لغات الكتب السماوية

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الكتب السماوية الأربعة التوراة والإنجيل والزبور والقرآن الكريم نزلت باللغات الأربعة: اللغة السامية والآرامية والسريانية والعربية، فنزلت الكتب الأولى باللغة السامية لأنه نطق بها سام ابن نوح عليه السلام وفيها يقول سبحانه وتعالى (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩﴾ الأعلى) بينما التوراة نزلت باللغة الآرامية التي تكلم بها اليهود لكن اليهود كانوا كثيري العبور فغلب الفعل على الاسم فأصبح الناس يقولون العبرية لكثرة عبورهم وذلك لما وصلوا إلى مصر وعبروا النهر إلى مصر فقال المصريون: "ها عبري" يعني عبروا إلينا فغلب الاسم على الأول فبدأ الناس يقولون العبرية. ثم اللغة الثالثة السريانية بها نزل الإنجيل على عيسى عليه السلام لكن عيسى بن مريم اضطر إلى أن يترجم الإنجيل إلى بني جلدته وهم اليهود، إلى اللغة الآرامية يعني العبرية.

(الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَفِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَالصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ ﴿٣﴾وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَوَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَوَبِالْآَخِرَةِ هُمْيُوقِنُونَ ﴿٤﴾أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَهُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾ البقرة)

أما اللغة الرابعة وهي اللسان العربي بها نزل القرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وتعتبر هذه اللغة الجديدة أو اللسان الجديد الذي فيه الإبانة لأن لغة قريش منابعها من خمس أماكن: باب العربية العراق ويمينها اليمن وبركتها الشام وقلبها مكة وعقلها المدينة. إذن هذا لسان قريش الجديد وفيه يقول سبحانه وتعالى (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴿١٩٥﴾ الشعراء) (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا (2) يوسف) (وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103) النحل) (وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا (12) الأحقاف) فكانت العربية لسانًا ولم تزل لأن القرآن الكريم نزل يتحدى قريشًا في لسانها لأن الله تبارك وتعالى أنزله بنظم إلهي لكنه بلسان عربي. ومن ثمّ فإن قريشًا كانت تحرص أشد الحرص في طريقتها في الجاهلية أن تفلتر اللسان العربي وكأنها سيقت إلى أمر فيه الخير بدون أن تدري فكانت تفلتر الكلام السقيم من الصحيح في العصور الأولى الغابرة وكأنها تعد وتستعد للقاء كلام إلهي دون أن تدري، فكان العلماء وفصحاء العرب يفلترون كل كلمة تدخل حتى لا يتركون من يدخل مكة من الشعراء والبلغاء إلا إذا كان فصيحًا بليغًا. وكان النابغة الذبياني يشتغل في النقد الأدبي في خيمته بعكاظ يفلتر كلام الشعراء، ما من شاعر لم يستقم فيما يقول إلا وردّه النابغة. ومن ثمّ بدأ النقد الأدبي من ذاك الزمان في العصور الجاهلية، والنقد لغةً هو تميز النقود صحيحها من زائفها، وهذا يعتبر نقدًا. أما النقد في الاصطلاح هو الكشف عن مسائل النضج الفني في الانتاج الأدبي وهذا الذي نهجته العرب مع أن العرب كانت تتقن اللسان ووصلت إلى الذروة والقمة في اتقانها اللسان أنزل الله فيها هذا القرآن، كتاب عجز الشعراء والبلغاء أن يأتوا ببعض منه، ومن ثمّ فإن هذا اللسان العربي هو الذي دام وأطاله الله تبارك وتعالى لأنه تحدى كل الخلائق بل أن جمع العقل وترتيب العقل يكمن في هذا اللسان (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف) وحتى الذين ألّفوا في هذا الفن من حيث النظم البليغ جعلوا للنظم مؤلفات ومن ذلك عبد القاهر الجرجاني رحمه الله لما ألّف كتابيه: أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز فإن اسرار البلاغة يتكلم عن القواعد لكن دلائل الإعجاز كتاب يتكلم عن النظم القرآني، عن النظم الإلهي فإن طريقة النظم هي التي عجز عنها الكبراء والبلغاء لأن الله تبارك وتعالى نظمه ببلاغة أزلية تكييفها يخفى على أذهان البشر ومن ثمّ يقول العالم السُنّي ابن قتيبة أو غيره قالوا لو أن لفظة أزيلت من القرآن وأدير لسان العرب على الأمور كلها، كل اللسان لما وجدوا لفظة تأتي مكانها أبدًا. لأن القرآن الكريم اشتق من القُرء وهو الجمع تقول العرب: قرأت الشيء جمعته. ومن ثمّ فإن الصحابة رضي الله عنهم لم نزل القرآن عليهم منهم من آمن قبل أن يسأل الحجة ومن ذلك أبو بكر رضي الله عنه بلغ الكلام قلبه قبل أن يسمعه بأذنه والدليل على ذلك لأنه سمع كلامًا لأول مرة لم يسمعه أحد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إني رسول هذه الأمة، فقال: صدقتك. وما من صحابي سمع كلام الله على لسان المصطفى إلا ودخل قلبه قبل أن يصل إلى أذنه استقبله بقلبه مع العلم أن من الأسباب أن طريقة المتكلم لا بد أن يكون بليغًا في طرحه إذا أراد من ذلك القبول. ومن شروط نقل كلام الله وبيانه إلى الغير لا بد من أن يخرج كلامك من قلبك على لسانك بقواعد فنّك فعندها يسقط في قلب المستمع أما إذا كان الكلام يخرج من اللسان فحدّه الآذان. إذن من شروط هذا الكلام أن يخرج من القلب، ومن ثمّ فإن الأنبياء قد عصمهم الله عن كل رياء وسمعة فكان الكلام يخرج من قلوبهم ويسقط في قلوب السامعين. ومن أهم ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قرأ القرآن على المشركين وعلى الكفار منهم من آمن ومنهم من كابر ولم يكفر وإنما تكبر وقد قال سبحانه وتعالى مبينًا اعتراف المشركين بأن القرآن كلام الله رب العالمين قال سبحانه (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) الأنعام) وكما أسلفنا مرة عن أبي جهل أنه قد قال: والله إن كلام محمد لقرآن من عند الله ولكننا ماذا نصنع؟ لقد تصدق بنو هاشم فتصدقنا وكسوا الكعبة فكسونا حتى كنا في الأجر كفرسي رهان، فقال بنو هاشم منا نبي فما علينا إلا أن نردّ ذلك بقوله تعالى (وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) فبلغ من بلاغة القرآن وبيانه أن كفار قريش آمنوا به ولم يؤمنوا له، آمنوا به بأنهم اقتنعوا أن الكلام من عند رب العالمين لكنهم لم يؤمنوا له أي لم يتّبعوه لأن الفرق بين الإيمان بالشخص والإيمان للشخص شاسع، الإيمان بالشخص الاقتناع أما الإيمان للشخص فهو الاتباع. تقول العرب آمنت بفلان أن كلامه حق لكنهم إذا قالوا آمنت لفلان اي اقتنعت واتبعت وقد جاء في القرآن الكريم (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) وقد قال سبحانه وتعالى في إبراهيم يوم أن دعا قومه (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ (26) العنكبوت) وجاء في القرآن أيضًا (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) الشعراء). هذا ما له علاقة بلغة العرب وباللسان العربي.

رابط المشاهدة

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل