علّمه البيان - وصايا الإمام العادل

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

وصايا الإمام العادل

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

العدل شيء هام في حياة الإنسان وهو الاستقامة الذي به يقوم الشخص من رذائل الدنيا إلى قيم الفضائل ولذلك فإن الله بعث الأنبياء ليقيموا الناس ويرفعوهم من رذائل هذه الحياة الدنيا إلى رفعتها وخيرها وبركتها. ولذلك فقد جعل الله تبارك وتعالى العدل في كل الأمور وما من أمر فقد منه العدل إلا وشان وكل شيء فيه العدل وإلا زان. ومن ثمّ فكل إنسان يكون عادلًا في بيته، في إدارته، مع نفسه، مع شعبه فالعدل شامل في كل الأمور وهو ما يعرف بالاستقامة وهو ضرب من أضرب الإخلاص الذي بيّنه الله تبارك وتعالى وأمر به (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٦﴾ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٣٧﴾ النحل) وقد أسلفنا أن الشيطان حينما ذكر إغواءه لبعض الناس قال (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) الحجر) وهم الأنبياء أما المخلِصين فهم من الصالحين من عباد الله. والعدل من أهم الأمور وهو الإيمان المتعدي وقد جمع عمر بن عبد العزيز علماء الشام يومًا فقال: فقد قرأت في الحديث أن سبعة سظلهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلّه ومن السبعة إمام عادل فهل ترون مني أني ذلك الإمام العادل؟ فقالوا: نعم أصلحك الله، فقال لهم بئس القوم أنتم لا تصلحون للمشاورة بعد اليوم، ثم كتب إلى الحسن البصري قال: يا أبا سعيد صف لي الإمام العادل الذي وصفه الحديث، لأن الإمام العادل قدّمه الله تعالى في الحديث على الشاب الذي نشأ في طاعة الله لأن العدل إيمان متعدي والعبادة إيمان لازم. فكتب الحسن البصري ردًا على عمر بن عبد العزيز:

اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف ونصفة كل مظلوم ومفزع كل ملهوف.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المرعى ويذودها عن مراتع الهلكة ويحميها من السباع ويكنفها من أذى الحر والقرّ.

والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته.

والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرها ووضعته كرها وربته طفلا تسهر بسهره وتسكن بسكونه ترضعه تارة وتفطمه أخرى وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته

والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم

والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده

والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم

فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وفرّق ماله

واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم

واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر

واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك يسلمونك في قعره فريدا وحيدا فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه

واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور فالأسرار ظاهرة والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل

لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك

ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك لا تنظر إلى قدرتك اليوم ولكن انظر إلى قدرتك غدًا وأنت مأسور في حبائل الموت وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين وقد عنت الوجوه للحي القيوم.

وإني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي فإني لم آلك شفقة ونصحًا فأنزل كتابي إليك كمداوٍ حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

نصيحة الحسن البصري لعمر بن عبد العزيز فذلكم هو العدل، فقد طاب الناصح والمنصوح وبالعدل تقوم الأمم وبالعدل يرفع الله أقوامًا ويضع آخرين. ولذلك العدل لا يختص بقوم دون غيرهم فكل إنسان فهو إمام عادل في حياته يعدل مع نفسه، يعدل في أولاده، في إخوانه، في رعيته فكل إنسان يستطيع أن يعدل ويستطيع أن يكون إمامًا عادلًا في أموره. ومن ثمّ من أهم الأمور قد دخلت امرأة على الحجاج بن يوسف الثقفي فقضى لها بعض أمورها ثم قال لها: ماذا تقولين في عبد الملك بن مروان؟ قالت: وماذا أقول في رجل أنت خطيئة من خطاياه؟! لو أن الله لو لم يحاسب عبد الملك بن مروان إلا على توليتك العراق لأدخله جهنم. وفي مجلس الحجاج منافقون فقال أحدهم أيها الأمير اقطع يديها ورجليها وآخر قال اقطع لسانها فنظرت إليهم فقالت: عليكم لعنة الله ثم قالت للحجاج: والله لجلساء فرعون خير من جلسائك، فقال: ولم؟ قالت: لما جاءهم موسى قالوا لفرعون: أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين، فضحك الحجاج وعفا عنها وكان هذا من بعض عدل الحجاج لأنه كان وقّافًا عند الحقائق من هذه.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يرد بنا والأمة إلى العدل إنه جواد كريم.

 

رابط المشاهدة

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل