علّمه البيان - استقامة الإعجاز

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

استقامة الاعجاز

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الاستقامة تنقسم إلى قسمين استقامة منهاج واستقامة إعجاز. فاستقامة منهاج بحيث أن القرآن ينزل بالمنهج مرتبًا للأحداث وينزل بالمعجِز مبينًا للآيات وطريقة المنهج على ثلاث: قَصص وتبيين ونبأ، يقص أخبارًا مضت والغرض منها يثبت به الفؤاد ويبين أشياء ظاهرة بشهادة العباد وينبّيء عن أشياء لم تقع لتبليغ المراد.

أما استقامة الإعجاز فهي على ضربين: معجز يتبين في مخلوقاته الظاهرة وهي التي قد ذكرناها وأما المعجز الآخر وهو الذي يختفي في بلاغته الباهرة، تلكم البلاغة التي عجز الكبراء والشعراء والأداء عنها وهي بلاغة القرآن الكريم. ومن ثم فإن القرآن لما أنزله الله تبارك وتعالى على قريش أنزله بالبلاغة التي عجز الناس عنها.

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿٦﴾ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٨﴾ فصلت)

ولذلك فإن اللسان العربي كان قد بلغ ما لم يبلغه أحد في زمن قريش فنزل القرآن بالفصاحة وبالبلاغة العجيبة. ومن ثمّ فسبحانه وتعالى لما أنزله الله سبحانه وتعالى بالبلاغة التي عجز الشعراء عنها والبلغاء فقالت قريش أنّى لمحمد بهذا الكلام؟! فقال (الم، الر، كهيعص) من الحروف التي تركّبون منها كلامكم جئناكم بهذا الكلام فلم يستطع أحد أن يأتي بمثل ذلك مع أنه ظهر المتنبؤون والمدّعون لكنهم ما استطاعوا أن يأتوا ولو بلفظة واحدة من هذا المعجِز الذي في بلاغته الباهرة. وقد نشأ علماء في هذا المجال وهو علم البلاغة القرآنية وأولهم أبو عبيده معمر بن المثنى وقد كتب كتابه المعروف: اعجاز القرآن. والإعجاز في القرآن الكريم إنما ليس الإعجاز المعروف وإنما جاء بالإعجاز الآخر الذي هو من أهم ما ينبغي للإنسان أن يعرفه لأن العلماء كتبوا كتبًا في بلاغة القرآن الكريم فكتب معمر كتابه وهو مجاز القرآن وهو تفسير الآية وتأويلها من حيث ما تحتاجه إليه ثم تبعه الجاحظ في كتابة البيان والتبيين أو البيان والتبيّن على خلاف في الأقوال. ثم جاء بعد ذلك عبد الله بن المعتزّ الشاعر العباسي فردّ على علماء البديع في هذا المجال ثم جاء العالم السني ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن وهؤلاء هم العلماء الذين كتبوا في هذا المجال والناس يكتبون إلى أن جاء فحل البلاغة وهو عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني وكتب كتابين في هذا المجال أسرار البلاغة ودلائل الاعجاز وقد حاول أن يظهر في دلائل الإعجاز من حيث النظم وأسرار البلاغة تكلم من حيث التقعيد. والزمخشري لما طلب منه طلابه أن يكتب كتابًا في هذا المجال فكتب كتابًا بعد أن جاور مكة أربع سنوات ولذلك سمّي بجار الله الزمخشري، فكتب كتابه "الكشاف" وقد قال الزمخشري في أول كتابه كلامًا يكتب بماء الذهب على أن هذا العلم وهو علم بلاغة القرآن وإن كان العلماء بشتى علومهم إن لم يتوفر لديهم علمين معروفين لا يستطيعون أن يتكلموا في هذا المجال.

يقول الزمخشري: الفقيه وإن بزّ أهل زمانه بعلم الفتوى والمتكلم وإن ظهر على أقرانه في علم الكلام أي في العقائد والحافظ وإن كان من ابن القرية أحفظ والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه كل هؤلاء لا يستطيع أحدهم أن يغوص على شيء من تلك الحقائق ولا أن يعرف أو يمر على شيء من تلك الطرائق إلا رجل قد برز في عِلمين مختّصين في القرآن وهما المعاني والبيان. الذي لم يتوفر لديه من هذين العلمين شيء لا يستطيع أن يستكشف من التنزيل ما يتناسب مع المكلَّفين لأن القرآن من حيث البلاغة تستطيع أن تستشف منه ما يتناسب مع الناس أما من حيث التفسير وقصص القرآن وغيرها فقد سبق إليها الأوائل لكن صاحب البلاغة يستطيع أن يستخرج من القرآن كلما نظر إليه ما يتناسب مع المكلّفين مع أن الزمخشري كان معتزليًا كما هو معروف وإذا أردت أن تنظر إلى النسخة يستفيد منها الطالب لا بد إلى النسخة التي عليها تعليقات أحمد بن المنير الاسكندري قال: كنت أتتبع اعتزاليات الزمخشري بالمناقيش لأنه كان عالمًا في لغة العرب بحيث لو وضع قدمه في النص قد يقلب الحق باطلًا والباطل حقًا إذن لا بد لمن أراد أن يقرأ في الكشاف أن يكون متضلعًا من حيث اللغة العربية ولبلاغتها لأنه ما ينبغي لي إنسان أن يأخذ لأن قرآءة الشخص من اي كتاب لا بد أن تكون له سابقة بهذا العلم أو من يدله عليه أما إذا اقتصر على الكتاب فيما ينقله إلى الغير فقد يكون خطؤه أكثر من صوابه

يظنّ الغُمر أن الكتب تهدي أخا فهم لإدراك العلوم

وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيّرت فكر الفهيم

إذا رُمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الطريق المستقيم

وتلتبس الأمور عليك حت  تكون أضلّ من توما الحكيم

قال حمار الحكيم توما لو أنصفوني ما صرت أُركب

لأني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب

لأن العلم لا يؤخذ إلا من أهله وأن تقرأ في الكتاب لا بد أن يدلك عليه من يدل لأن وظيفة العالم تجاه الطالب أن يدله عن الصحيح من غيره ولا بد أن يقرأ عليه من كتاب لأن العلم يؤخذ من أفواه الرجال. وهذا الذي ينبغي للإنسان أن يعرفه حتى إذا أراد أن يأخذ شيئًا من كتاب الله وأن يناسبه مع المستمع فيكون قد عرف ما يقول لأنهم قالوا: من الحكمة أن تعرف ما تقول وليس من الحكمة أن تقول كل ما تعرف لأن الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع وإن أكثرت منه صدع.

رابط المشاهدة

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل