علّمه البيان - استقامة المنهاج

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

استقامة المنهاج

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الاستقامة من حيث البيان تنقسم إلى أقسام وقد جاء في القرآن الكريم الأمر بالاستقامة قال تعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) هود) وقال عزّ من قائل لموسى عليه السلام (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) يونس) وقال سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ الفاتحة). ولما كانت الاستقامة من أعظم ما يأمر الله به عباده الصالحين أمر بها الأنبياء، ومن ثمّ فهي تنقسم إلى قسمين:

·        استقامة منهاج

·        واستقامة إعجاز

(حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿٤﴾ فصلت) فرب العالمين لما أنزل كتابه أنزله يأمر باستقامتين:

·        استقامة المنهاج بحيث أن القرآن نزل بالمنهج مرتبًا للأحداث ونزل بالمعجِز مبينًا للآيات. وطريقة نزوله بالمنهج على أضرب: قَصص وتبيين ونبأ. فطريقة نزوله بالمنهج ينزل بالمنهج مرتبًا الأحداث وهي على ثلاث: قصص وتبيين ونبأ فيقص أخبارًا مضت والغرض منها تثبيت الفؤاد (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (120) هود).

·        وتبيين يبين أخبارًا ظاهرة بشهادة العباد

·        وينبئ عن أشياء لم تقع بتبليغ المراد.

إذن هذه طريقة القرآن في طرحه للمنهج. إذن فاستقامة المنهاج هي التي تأتي بالأمور الشرعية التطبيقية ولذلك قلنا على ضربين فطريقة نزوله بالمنهج على ضربين فالمنهج والمعجز، فاستقامة منهاج كما أسلفنا.

أما استقامة إعجاز فهي كذلك على ضربين:

·        معجزٌ يختفي في بلاغته الباهرة

·        ومعجزٌ يتبين في مخلوقاته الظاهرة.

وهذه طريقة منهج التنزيل من حيث الإعجاز فمعجزٌ يتبين في مخلوقاته الظاهرة وهي الأسرار الكونية (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) وكلما أردت أن تعرف ربك فانظر إلى مخلوقاته لأن حكمة الصانع تختفي في صنعته.

لله في الآفاق آياتٌ لعل=أقلها هو ما إليه هداكا

ولعل ما في النفس من آياته=عجبٌ عجابٌ لو ترى عيناكا

والكون مشحونٌ بأسرارٍ إذا=حاولت تفسيراً لها أعياكا

قُل للطبيب تخطفته يد الردى=من يا طبيب بطبِّه ارداكا

قُل للمريض نجا وعوفي بعد ما=عجزت فنون الطب من عافاكا

قُل للصحيح يموت لا من علة=من بالمنايا يا صحيح دهاكا

قُل للبصير وكان يحذر حفرة=فهوى بها من ذا الذي أهواكا

بل سآئل الأعمى مشى بين الزحـ=ـام بلا إصطدام من يقود خطاكا

قل للجنين يعيش معزولا بلا=راع ومرعى مالذي يرعاكا

قل للوليد بكى وأجهش بالبكا=عند الولادة مالذي أبكاكا

وإذا ترى الثعبان ينفث سمه=فاسأله من ذا بالسموم حشاكا

واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو=تحيا وهذا السم يملأ فاكا

واسأل بطون النحل كيف تقاطرت=شهداً وقل للشهد من حلاكا

بل سائل اللبن المصفى كان بين=دم وفرث مالذي صفاكا

وإذا رأيت الحي يخرج من حنايا=ميت فاسأله من يا حي قد أحياكا

قل للنبات يجف بعد تعهد=ورعاية من بالجفاف رماكا

وإذا رأيت النبت في الصحراء يربو=وحده فاساله من أرباكا

وإذا رايت البدر يسري ناشراً=أنواره فاساله من أسراكا

واسأل شعاع الشمس يدنو وهي=أبعد كل شيء مالذي أدناكا

قل للمرير من الثمار من الذي=بالمر من دون الثمار غذاكا

وإذا رأيت النخل مشقوق النوى=فاسأله من يانخل شق نواكا

وإذا رأيت النار شب لهيبها=فاسأل لهيب النار من أوراكا

وإذا ترى الجبل الأشم مناطحا=قمم السحاب فسله من أرساكا

وإذا ترى صخرا تفجر بالمياه=فسله من بالماء شق صفاكا

وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال=سرى فسله من الذي أجراكا

وإذا رايت البحر بالماء الأجاج=طغى فسله من الذي اطغاكا

وإذا رأيت الليل يغشى داجياً=فاسأله من ياليل حاك دجاكا

وإذا رأيت الصبح يسفر ضاحكاً=فاسأله من يا صبح صاغ ضحاكا

ستجيب ما في الكون من آياته=عجبٌ عجابٌ لو ترى عيناكا

ربي لك الحمد العظيم لذاتك=حمداً وليس لواحد إلاكا

يا منبت الأزهار عاطرة الشذى=ما خاب يوماً من دعا ورجاكا

يا مجري الأنهار عاذبة الندى=ماخاب يوماً من دعا ورجاكا

يا أيها الإنسان مهلاً مالذي=بالله جل جلاله أغراكا

هذه أبيات لمحمد إقبال قالها باللغة الأردية وترجمت للعربية وهذه تدل على الأسرار الكونية التي جعلها الله في التنزيل إذن فهذا المعجز هو الذي يتبين في مخلوقاته الظاهرة. وقد قال أحد الشعراء يعدد عطايا رب العالمين في الأسرار الكونية (د. ناصر بن مسفر الزهراني) قال:

أنت أهل الثناء والمجد فامنن بعبير من الثناء المواتي

ما ثنائي عليك إلا امتنان ومثال للأنعم الفائضات

يا محبّ الثناء والمدح إني من حيائي خواطري في شتات

ذابت النفس هيبةً واحتراماً وتأبّت عن بلع ريقي لهاتي

حبّنا وامتداحنا ليس إلا ومضةً منك يا عظيم الهبات

أي شيء يقوله الشعر لما يتغنى بخالق الكائنات

كم بهذا الوجود مما نراه من صنوفٍ بفضله شاهدات

لو تأملت صفحة الكون مما بثّ فيه من رائع المعجزات

أرسل الفكر في فضاءٍ بعيدٍ وسماءٍ تعجّ بالنيّرات

هل تأملت منظر النجم لمّا يسحر العين في دجى المظلمات

كلها الأرض والمجرّات تبدو عند ربي كحلقة في فلاة

إذن فإذا أردت أن تعرف حكمة الصانع فانظر إلى صَنعته (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). فإذا الإنسان نظر إلى ما خلق الله من حوله يستطيع أن يعرف رب العالمين في هاته. وقد سأل رجل أعرابيًا: ما الدليل على وجود ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير والبعر يدل على البعير فبحارٌ ذات أمواج وسماءٌ ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا يدل ذلك على العليم الخبير؟!. فإذن هذا المعجز الذي جاء في التنزيل قد أعجز العلماء لأن القرآن كتاب العلم المبسّط الذي يصل إلى كل إنسان ويقرّب إلى كل إنسان ما يريد حتى لا تكون للناس على الله حجة من حيث العلم، من حيث البيان، من حيث البلاغة، من حيث اللسان، فالقرآن معجز بكل شيء. فمن ثمّ الاستقامة تحمل استقامة منهاج واستقامة إعجاز وقد تكلمنا الآن عن استقامة الإعجاز من حيث الأسرار الكونية التي جعلها الله للخلائق وابن آدم فهو معجز في ذاته فهو دولة متحركة تحمل شتى العلوم في نفسه لقوله تعالى (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٢١﴾ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿٢٢﴾ الذاريات).

رابط المشاهدة

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل