نظرات في سورة الكهف - الحلقة الحادية عشرة

نظرات في سورة الكهف - الحلقة11

د. أحمد نوفل
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الحلقة 11
(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذَ‌لِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُوٓا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوٓا إِذًا أَبَدًا (٢٠)).

(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ) تظنّهم مستيقظين وهم نائمون. (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ) حتى لا تتقرّح جنوبهم من طول المُكث. لكن (وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ) من هنا استنتج بعض المفسرين أن الكلب بقي على حاله لأنه مات وبقي على وضعه، على كل حال هذه أقوال ليس عندنا عليها بينة ولا برهان من هذا الكتاب أو من السنة. إذن نسلّم الأمر في شأن هذا الذي رافق الفتية نسلّم أمره إلى الله، أَمات فتحلل فبقي على وضعه عظاما؟ الله أعلم! أَبُعث معهم من جديد؟ الله أعلم! أَبَقي سليم الجسم حيًا مثلهم؟ كل ذلك نفوّض علمه إلى الله لا ينبني عليه فائدة كبيرة، فنظل دائمًا في المعنى الرئيسي والمجرى الأساسي للنهر، نحافظ على الخط الأساسي من القصة ومغزاها، لا نذهب في التفاريع. ونحن نقول هذا حتى إذا قرأنا التفاسير وما فيها من أقوال وروايات تكون عندنا فكرة مسبقة إن شاء الله.

(وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا) كما قلت أنها تجربة غير معهودة ذهنيًا لا لأنهم طالت منهم الشعور والأظفار فأصبحوا شكلهم منفّر ومرعب! لا، هؤلاء ضيوف الرحمن مثل ما أسلفنا وحاشا للمولى الكريم أن يفعل بضيوفه هذا المنظر المرعب الشنيع، معاذ الله! هم في كَنف الله، في ضيافة الله لا يعمل بهم هذا الذي تقوله التفاسير. 
(وَلَمُلِئْتَ) كأن الإنسان وعاء سيمتلئ الآن من الرعب (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ) تعبير عجيب! (وَكَذَ‌لِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ) سبحان الله على طَيِّ الزمان، ثلاثمئة وتسع سنين طُويت في لمحة واحدة! الكلمة الثانية لهذا المشهد- مشهد رقود الفتية ومشهد استيقاظهم بعد 309 سنوات- الفاصل بينهم كلمة واحدة. 
(وَكَذَ‌لِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ) من الذين يتساءلوا بينهم؟ هم فتية الكهف أنفسهم (قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم) يوما يعني أربعة وعشرين ساعة؟! لا، إنما ما ينامه النائم في يوم الذي هو سِتّ ساعات مثلًا، يوم عمل مثلًا. هذا فهمي. أم بعض يوم أي زدنا عليه ساعة أو اثنين؟ لو كانت المناظر بهذا الشكل لما قالوا هذا القول. (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) دعونا الآن من كم لبثنا؟ ليس هذا هو المهم، المهم الآن لكي نحافظ على بقائنا أحياء، لا بد من تموين، لا بد من غذاء دعوا مسألة كم لبثنا وهذا موضوع أهمّ (فَٱبْعَثُوٓا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ) الوَرَق معروف، والوَرِق هو الفِضّة، معهم عملة قليلة لأنهم ليسوا أغنياء مثل ما تقول الكتب-أنهم كانوا أولاد أمراء وكبراء وأولاد أغنياء وأثرياء- فالورِق الذي معهم قليل وهو من الفضة وقيمة الفضة دائمًا متراجعة عن قيمة الذهب. إذن هم فتية لا غير، لماذا نشغل بالنا بأن نعرف هم أولاد أغنياء أو فقراء؟ أو طبقة وسطى؟ معنى القصة الرئيسي ومغزى القصة لا يرتبط بطبقة الأولاد، لكن مرتبط بإيمانهم العظيم وبالآية والمعجزة الكبرى التي أجراها الله عز وجل على هؤلاء الفتية، هذا هو خط القصة الرئيسي، هذا مغزاها وهذا معناها وهذا فحواها وهذا المحور الذي ينبغي التركيز عليه، لا أن نتيه في التّيه وننسرب في مسارب شمال ويمين ونبحث عن المكان وعن الزمان وعن اسم الملك والدولة ... كل هذا لا يهمنا! البعض تكلّف حتى اسم الكلب!! بهذه المنهجية المبدِّدة تضيع فائدة وعبرة وعِظة القصة. بمنهجية القرآن الواضحة المحددة المنضبطة، نحافظ على المجرى الرئيسي للأحداث وللقصة ولِخطّ وخيط العبرة الأساسي، لا نضيعه في دهاليز التشتتات والروايات والتفصيلات فهذه عقلية بني إسرائيل ونحن لا نريدها، ودعونا مع المنهجية والعقلية التي ربانا عليها هذا الكتاب المبين.
إذن يقولوا لبعضهم (فَٱبْعَثُوٓا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ) أي مكان ما خرجوا (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًا)،"أزكى" يعني ألذ وأشهى؟ لا، "أزكى" يعني أطيب وأطهر، يبدو أنه في البلد هناك طعام بالنسبة إليهم، وفق دينهم، حرام، فابحثوا عن الطعام الأطهر. أما المؤمن أيّ شيء يقيته من فضل الله تعالى فهو لا يبحث عن أنواع الطعام وألوان الطعام وكميات الطعام، يأكل ليظل حيًا، ليعيش ولا يعيش ليأكل!!. (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ) فليأتكم بطعام؟ لا، فليأتكم بأكل؟ لا، فليأتكم برزق، صحيح أننا دفعنا ثمن الطعام لكن هَبْ أنه غير موجود والمال موجود إذن فهو رزق، لولا أن الله رزقنا إياه ما كنا رأيناه فالحمد للمولى لله عز وجل أن أمدّنا بهذا الرزق.
(فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ) كلمة واحدة "وليتلطف" الكلمة التي يقول عليها الكثير من العادّين، من المحصين، من الدارسين، هذه مركز القرآن الكريم، يعني إذا عددنا الآيات من أول القرآن إلى هنا ومن هنا إلى آخر القرآن (أنا لم أعُدّ إنما هذا على عهدتهم) كلمة "وليتلطف" جاءت في قلب المصحف. وهذا طبعًا له معنى كبير وله مغزى أيضًا أن مركز القرآن يكون اللطف، هذا دين اللطف وكتاب المولى اللطيف سبحانه، يُعلم أمته لطف التأتّي في كل أمر. "وليتلطف" تختزل كلمة واحدة شرحا طويلا، هائلا، كبيرا وكثيرا، ليست العبرة في كثرة الكلام، العبرة في تركيز المعاني في الكلمة الواحدة.
(وَلْيَتَلَطَّفْ) نحن هاربين من بلدنا، من مدينتنا وأكيد الآن العَسَس والرّصد يبحثوا علينا، إحساسهم بالزمن توقف، تعطل، لا يعلمون ماذا وقع من بعدهم من تغييرات والدنيا التي انقلبت رأسًا على عقب، لا يدرون، إحساسهم بالزمن توقف لوجود النوم الذي غشيهم، فبالنسبة لهم يعتقدون أنهم تركوا بلدهم بالأمس. إذاً هذا الذي سيذهب إلى المدينة ليحضر الطعام يجب أن يتخفى ويتدارى ويتنكر حتى لا يشعر الآخرين به وبنا نحن الهاربين لأنه أكيد أنهم يبحثوا عليهم وأنهم مطلوبين ومتابعين وملاحقين. إذن كُن حذرًا جدا وانتبه ومن أقرب مكان آتنا بطعام طاهر طيب وارجع إلينا. 
(وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) إياك أن يحس بك أحد أو يتابعك أحد عند رجوعك إلى الكهف من بعيد أو غيره ويصل إلى مخبأنا وعندها يقضى علينا. -دائما أرسل حكيمًا ولا توصيه- فالشخص الذي عقله مشتت وغير مركز يضيع مجموعته ويودي بها إلى الهاوية من قلة خبرته ومن قلة حكمته.
(إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوٓا إِذًا أَبَدًا) يعني إذا عدتم في ملة الكفر، إذاً (أبدًا) لن تفلحوا لأنه لا يمكن أن يفلح من كان على ملة الكفر لا في الدنيا ولا في الآخرة. الله تعالى جعل الفلاح مرتهنًا مرتبطًا في الدنيا والآخرة بالإيمان، (قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ)، كل من سواهم في خسر (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) مغموس في الخسران!. إذن الفلاح، الفوز، تحقيق المقاصد والغايات والمآرب والسعادة والطمأنينة والأمن والسكينة، كله مربوط، مرتهن بالإيمان، والحمد لله على نعمة الإيمان.
http://trustartistic.com/view.php?file=natharat+alkahef+%2811%29



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل