وقفة تدبرية - ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾


﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

د. محمد راتب النابلسي 


العلو والتفوق والفوز بشرط أن تكونوا مؤمنين ، لا مؤمنين كما يتراءى لكم الإيمان ، مؤمنون كما أراد الله عز وجل ، والدليل أن الله عز وجل حينما قال :

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
(سورة النور)
أي دين وعدهم أن يمكنه لهم ؟ الدين الذي يرتضيه لهم ، فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن الدين الذي هم عليه لم يرتضيه لهم.

﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
فإن لم تكونوا الأعلين معنى ذلك إيمانكم ليس من النوع الذي يرضاه الله عز وجل ، هذه نقطة.
في سورة آل عمران حول هذه الآيات إشارات لطيفة جداً ومريحة وشافية منها :

﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)﴾
(سورة آل عمران)
أي شاءت حكمة الله أن تكون الأيام أي أيام النصر متداولة بين الناس مرة ينتصر المؤمنين ومرة لا ينتصرون قال بعض العلماء الأجلاء : لو أن المؤمنين انتصروا بشكل مستمر لدخل المنافقون في دين الله أفواجاً طمعاً في النصر ، ولو أنهم لم ينتصروا بشكل مستمر لخرج الناس من دين الله أفواجاً

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
وتجربة أحد وحنين تجربتان مهمتان في تاريخ المسلمين ، في حنين كان التقصير في التوحيد . لن نغلب من قلة 
وفي أحد كان التقصير في الطاعة ، لم ينفذ الرماة أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، في أحد خطأ تكتيكي بالمصطلح الحديث ، وفي حنين خطأ عقائدي ، لو توافر التوحيد والاستعداد والطاعة لكان النصر .
أيها الإخوة : ملمح آخر في هذه السورة :

﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)﴾
لله عز وجل في خلقه شؤون ، شأنه أحياناً ألاّ ينصر المؤمنين ، لذلك يمحص المؤمنين ، ضعاف المؤمنين يقعون في حالة يأس وإحباط ، قد يتساءلون أين الله هم بهذه الطريقة فُرزوا وانكشفوا .

﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)﴾
وحينما يتوهم المؤمنون أن القضية قضية دعاء فقط قضية انتماء ومشاعر ومشاركة وجدانية مع المؤمنين ، هم على غير طاعة لله على غير إقامة لشرع الله ، هذه الأحلام وتلك الأماني لا تكفي لتحقيق ما يصبو إليه المؤمنون . لذلك :

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)﴾
إذا كان هذا المؤمن ليس مستعداً أن يدع شيئاً في سبيل مجموع الأمة ، ليس مستعداً أن يبذل شيئاً ، ولا أن يتعاون يكفيه أن يتعاطف فقط ، هذا لا يكفي لتحقيق مراد المسلمين.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل