النبأ العظيم - سورة الإنفطار

النبأ العظيم – تفسير سور جزء عمّ

د. أحمد نوفل

سورة الإنفطار

هذا اللقاء مع السورة رقم خمسة من سور جزء عمّ، السورة 82 في المصحف الشريف بترتيب القرآن. عدد آياتها تسعة عشر، ليس بعدها سور عدد آياتها تسعة عشر إلا سورة الأعلى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى:1]. على كل حال، رقم 19 كما تعلمون واحد من أعمدة الإعجاز العددي في القرآن، لن ندخل الآن في هذا التفصيل.

ما موضوع سورة الإنفطار؟

موضوع سورة الإنفطار القيامة، قلنا سابقًا أن جُلّ سور هذا الجزء تتكلم عن القيامة، لكن ما دام سور كثيرة تتكلم عن موضوع واحد لا بد أن يختلف منهج الطرح، فما منهج سورة الإنفطار في طرح موضوع القيامة؟ هذا ما سنقف عليه إن شاء الله بعد هذا الفاصل القصير.

(إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (1)وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2)وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3)وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4)عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8)كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10)كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)) [الإنفطار:1-12]

يتحد الموضوع إذن ويختلف المنهج، (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (1)وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2)وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3)وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4)عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)) إذاً بدأ حديث القيامة من أين؟ بدأه من مظاهر القيامة، من الإختلال الكوني في نظام الكون، من هنا بدأ حديث القيامة. إذا حصلت هذه المقدمات والتداعيات كلها فقد قامت القيامة وبالتالي سيرى كل إنسان عمله وجزاء عمله (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)).

كان هذا هو المقطع الأول ليبتدأ المقطع الثاني (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) يعني أنت ما هو الغَرور الذي غرّك بربك؟ ما الذي جعلك تنشغل عن ربك؟ ما الذي شاغلك؟ ما الذي ألهاك؟ ما الذي صرفك عن مولاك سبحانه؟. (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ِ(6)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8)كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10)) إذاً عاد إلى خلق الإنسان حتى يبتدئ موضوع القيامة من أوله، من بدأ الخلق . إذاً هذا الإنسان مخلوق لله عز وجل، خلقه فسواه فعدله، يعني جعله بمقادير منضبطة، اليود فيك بمقدار، الحديد بمقدار، الماغنسيوم بمقدار، بمقدار دقيق جدًا، (فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ). ثم أعطاك صورتك (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) هذا الإله العظيم لماذا تجحد لقاءه؟ جحد لقائه كجحده تماماً .إذاً كفر الإنسان بالقيامة كفر بالله عز وجل، لذلك بدأ الحديث (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) أتؤمن بالله؟ نعم، العرب كانوا يقولون هكذا، لكن تؤمنون بالقيامة ولقاء الله؟ لا، لا، هذا عجيب! يعني كل شيء ممكن تقبلوه عدى أن يقبلوا عقيدة البعث.

إن إيماننا بالله عزوجل مفرغاً من إيمانٍ بلقاءه في يوم الحساب نقضٌ بالإيمان بالله جملة وتفصيلاً. عرفنا إذاً لماذا بدأ المقطع الثاني (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)، هذه النُقلة من الحديث عن القيامة للحديث عن الخلق، هذه نقلة ليست من فراغ لأنه من جحد القيامة جحد الإله. ما معنى عقيدة القيامة؟ أن تلقى الله، أن يجزيك الله على أعمالك إن خيراً فخير وإن شراً فشر. إذاً جحدُ هذا اللقاء إفراغ للدين من كل المضامسن، لا يبق في الدين أي محتوى ولا معنى ولا قيمة ولا شيء، ما قيمة أن تؤمن بإله وهذا الإله لا يجزي لا على المعروف معروفاً ولا على الخير خيراً ولا على الشر شراً؟! ما قيمة الإيمان بهذا الإله سبحانك؟ إذا الذي يعطي الإله سبحانه جديته، فحواه، مغزاه، أن تؤمن بلقائه. ولذلك انتقل من حديث القيامة إلى حديث الخلق لارتباط الإيمان بالقيامة بالإيمان بالله عز وجل.

ثم انتقل مرة ثالثة في المقطع الثالث إلى موضوع القيامة من جديد(كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)) الدين هنا معناه الجزاء (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ) بالجزاء في يوم الدين (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17))، (تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ)، تعبير (يَوْمُ الدِّينِ) و (تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) لم ترد إلا في القرآن المكي، أبداً، (كَلَّا) ستسمعها كثيرا في هذا الجزء، أداة ردع وزجرٍ وليست أداة نفي، ولذلك من الخطأ أنه، يسألك واحد هل تعرف الشيخ الفلاني؟ فتقول: كلا، لا أعرفه، هذا غلط، قل: لا، هذه أداة نفي إنما تقول لواحد: كلا، طفل يلعب بجانب المدفأة يقول له كلا، لا تمد يدك! إذاً هي أداة ردع وليست أداة نفي. (كَلَّا بَلْ) (بل) حرف ابطال نحن أن نتحدث عن التفسير بالمعنى الدقيق والحرفي لكن نحوم سريعة من حول الآيات نعيش في ظلال هذه الآيات. (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) هل المقصود بالدين المنهج؟ الذي يحتوي عقيدة البعث ضمن ما يحتوي من أشياء اخرى؟ أو مقصود بالدين يوم الدينونة يوم الجزاء؟ أو كل ذلك جميعاً؟ نعم، هو كل ذلك جميعاً، لكن المعنى المهم والحاضر في ضوء النسق، في ضوء السياق، وخذوا قاعدة أن التفسير لا ينفصل عن النسق وعن السياق، هذا القرآن عقدٌ نضيض، خذها قاعدة، يُفسَّر في ضوء سياقه ونسقه دائماً سياق الكلام له قيمة كبرى في استحضار معنى الكلام، قد أقول لطالب داخل عليَّ المحاضرة، أقول له كم الساعة؟ أنا ما أريده يقول لي الساعة الثانية عشرة صباحاً، ما أريده أن يقول لي هذا، لكني أسأله سؤال احتجاج، لماذا جئت متأخرًا، لم أقل له لماذا جئت متأخرًا، ما الذي حدّد معنى سؤالي؟ السياق، سياق الكلام، أن المحاضرة بدأت والأخ داخل بعد بدء المحاضرة بعشر دقائق فنقول له: كم الساعة؟. إذاً السياق هو الذي يعطي المعنى، إذاً ما معنى (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) أنا أعتقد أنه المعنى في ضوء السياق هو يوم الدين، أي يوم الدينونة أي يوم الحساب ويوم الجزاء.

(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) والحال أنه عليكم حافظين، (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) يعلمون فيكتبون طبعاً، لا يعلمون فقط، لا، يعلمون فيكتبون ما تفعلون ثم ستجزون بما علم الملائكة وكتبوا، ستجزون على هذا العمل. إذاً ما معنى (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) يسجلونه، ما معنى سجّلونه؟ من أجل أن تُجازوا به، ولله المثل الأعلى، يعني بيسجلّوا عليك مخالفة سير تلاقيها في ملفك تدفعها يوم الترخيص، ما في فرار ومصّوّر بالدقيقة ورقم السيارة  والسرعة وواضع الحزام ولله المثل الأعلى، هذا بشر يراقبُ بشراً، كيف الإله العظيم وقد وضع عليك مراقبين يرصدونك صوت وصورة، بالدقيقة بالثانية وموّثق كله ومسجّل ومكتوب ستلاقيه وتلاقي جزاؤه يوم القيامة . إذاً (كلا) أداة زجر وردع، (بل) يعني إبطال لكلامهم في نفي عقيدة الآخرة وعقيدة البعث (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) والحال، إذاً هي واو الحال (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) ما معنى حافظين هنا؟ معنى حافظين، يحفظون أعمالكم، ومن مهمات الملائكة أن يحفظونا أيضاً، ولكن هنا في ضوء السياق (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) يحفظون أعمالكم (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ).

بدأ المقطع الأخير في السورة الكريمة (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)) دائماً ستجد التقابل إذا ذكر أصحاب النعيم سيذكر مقابلهم أصحاب العذاب والجحيم. دائماً حتى كفتي الميزان تكونان حاضرتين، دائماً في أي سياق بيتعرض له القرآن الكريم لا بد من هذا التوازن حتماً مقضياً. تكلم عن الأبرار، سيتكلم عن الفجار، تكلم عن الكفار، سيتكلم عن المؤمنين. تكلم عن الجنة سيتكلم عن النار، إذاً إن قال (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) نتوقع على طول الخط (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) حتى ولو لم نكن حافظين منهجية القرآن تقتضيه ذهنياً وبحسب تعودنا على الأسلوب القرآني أن يذكر المقابل تماماً ((إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15)) يصلونها أي جهنم وإن لم يرد لها ذكر. عادة اللغة العربية إذا ذكر الضمير أن يكون سبقه ذكر ما يعود إليه الضمير، لكن أحياناً لشهرة الشيء، لوضوح الشيء لسنا بحاجة إلى أن نذكر ثم نحيل الضمير إلى مذكور، لا، (إِنَّا أَنزَلْنَاهُفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)[القدر:1] أنزلناه الضمير، على طول الخط، أين الذي يعود إليه الضمير؟ غير موجود لشهرة القرآن الكريم لم يقل (إنا أنزلنا القرءان أنزلناه في ليلة القدر) وهنا أيضاً لم يقل، يصلون جهنم يوم الدين وإنما قال (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ)

نتكلم عن المقطع الأخير من سورة الإنفطار ثم نعود لنلقي نظرة عامة على السورة وما هي الكلمات التي ركزت عليها السورة على سبيل المثال سنجد (الدِّينِ) تكررت أربع مرات في سورة نصف صفحة بالكاد.

سنجد كلمة (يَوْمَ) أيضاً أربع مرات والمرة الخامسة (يَوْمَئِذٍ) هذه المرة الخامسة، فسنجد السورة مركزة الأنظار الأنظار على بعض الكلمات لترسخّها في الذهن لأن التكرار يعمل تقرير للأفكار. (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)) هذه من سور الشرط، (إِذَا وَقَعَتِالْوَاقِعَةُ) [الواقعة:1]، (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) [المنافقون:1] مثل هذا النوع، هذه المجموعة من السور نسميها السور المفتتحة بأداة الشرط. (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ(14)) ما معنى الفجار؟ نقول: انفجر الماء (فَانفَجَرَتْ  مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) [البقرة: 60]، نقول الفجر: صلاة الفجر، لأن النور يفجر الظلام. الفاجر كأنه فجر بمعنى خرج مثل ما يخرج الماء من الصخر، خرج هذا من منهج الله ومن شرع الله، فجر فهو فاجر مثل ما ينفجر الماء، هذا خرج من منهج الله (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15)) أي النار أو الجحيم، (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16)) عن جهنم.

(وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثم كرر (ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)) لا أحد، لا ابن لأبوه ولا أب عن ابنه ولا زوجة عن زوجها ولا زوج عن زوجه ولا قريب عن قريب ولا عشيرة تحمي أفرادها إطلاقاً، ما في أحد يغني عن أحد شيئًا، يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ مطلقاً شيئاً أبداً! (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) الأمر مطلقاً لله ودائماً الأمر لله عز وجل، لكنه سبحانه شاء أن يجعل للبشر في الدنيا بعض الأمر جزئياً ونسبياً وبحدود محدودة منضبطة وضيقة جداً لكن ضمن هذه الحرية وضمن هذا الحدود يتصرف الناس. أنا آمر بكيت وكيت، من له كلمة نافذة أو غيره، دول أحياناً تأمر دولًا، دول تأمر أفراداها، فرد يأمر العمال عنده وهكذا لكن يوم القيامة الأمر مطلقاً كله تماماً تماماً لله عز وجل (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ).

ملخص السورة

الآن نعود ننظر في السورة نظرة عامة من جديد،

(إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (1)) بمعنى تشققت وتصدعت كأختها السابقة (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) [الانشقاق:1]، هنا (انفَطَرَتْ) كأن الانفطار بدء الشقّ وهناك ( انشَقَّتْ) اكتمل الشقّ، فكأنه منهج السورتين في عرض عقيدة القيامة منهج متقارب، وهو الإنهيار الكوني، اختلال النظام الكوني الذي تراه الآن مستقراً قوياً راسخاً ثابتاً سيأتي عليه زمانٌ يتهلهل وينهار تماماً، هذا النظام الكوني. (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2)) الآن في جاذبية، القمر يدور من حول الأرض ضمن نظام جاذبية والقمر والأرض يدوران من حول الشمس ضمن نظام الجاذبية، المجموعة الشمسية مشدودة بأواصر قوية إلى أمهم الشمس لكن هذا النظام الكوني كله سينفرط وينفلت ويصبح كل كوكب منفلت على رأسه ومتناثرة الكواكب بلا نظام بأمر الله عز وجل، أي هي فوضى كونية بأمرٍ من الله عز وجل، ينتثر النظام وينفرط العقد. إذاً (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2)وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3)) البحار قصتها قصة، الآن، تحت البحار كما تعلمون نار، نار مستعرة، لا الماء يطفيء النار ولا النار تشعل الماء لكن متى شاء مولانا إله الأرض والسماء متى شاء هذه النيران ستفجّر البحار وتسجّر البحار فتشتعل البحار ناراً، ذرة من الماء الثقيل ممكن أن تفجّر البحار، إذاً (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ). في سورة ثانية، في آية ثانية (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) [التكوير:6]، إذاً ستنفجر البحار وتشتعل البحار لتصبح كتلة من النار مشتعلة. إذا حدث هذا الانقلاب الكوني والقبور تناثرت وبعثرت، في هذا اليوم (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)) إذاً هذا كان المقطع الأول وهذه بعض معاني هذا المقطع.

هناك نداء، النداء لجذب السامع (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ) لما تنادي في الصف: يا فلان، نعم أستاذ، ينتبه ويستفزّ طاقاته وتتفح ملكاته وعقله ليستوعب ما يقال له. لذلك الأستاذ الناجح ينادي الأولاد ليظلوا مشدودين إليه ما يتركهم للشرح الذي يشرحه ومعتمد على إنهم متابعين، سيسرحوا والأساتذة بيشرحوا والطلبة يسرحوا، ولذلك يناديهم واحد واحد ليظلوا مشدودين، ولله المثل الأعلى (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ)، لبيك يا ربِ ( مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)) والحال أنه (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)) ، الآن انتقل إلى دخول كل البشرية إلى منطقة جزائها، أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، إذاً بدأ بالإنهيار الكوني وانتهت السورة بالإستقرار، انظر منهجية القرآن ، نريد أن نرسخ في هذه الحلقات المنهجية العالية الرفيعة، طبعًا بعض المستشرقين وتلاميذهم من أبنائنا للأسف يكرروا أن القرآن والمنهجية لا يلتقوا، أقول أن القرآن هو المنهج وهو المنهجية، ولذلك في التفسير ينبغي أن نركز على منهجية القرآن، سورة الإنفطار موضوعها القيامة، فهمنا، لكن ما المنهج الذي اتبعته السورة في توصيل موضوع القيامة؟ لكل سورة منهج وإن التقت مجموعة كبيرة من السور في موضوع واحد لكن لكل سورةٍ منهجها، طريقتها. بدأت هذه السورة الكريمة من الإنهيار الكوني وانتهت هذه السورة الكريمة بالإستقرار في الدار إما إلى جنة وإما إلى نار، ودخول هؤلاء إلى منطقة جزائهم وهؤلاء إلى منطقة جزاـهم. وفيما بين ذلك، جاء النداء قوياً ومؤثراً يهزّ الإنسان من الأعماق (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) فكّر، ما يشغلك عن ربك؟ يعني ولد عنده امتحانات فاصلة إما توجيهي إما امتحانات شاملة كما يسمونها ومشغول في مباريات الكورة، نقول له ما غرّك عن امتحان يتقرر به مصيرك؟! هذا امتحان الدنيا، كيف امتحان الآخرة؟! (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) لتنتهي السورة الكريمة (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ).

 

كان هذا بعض معاني سورة الإنفطار. أسأل الله تعالى أن يرزقنا فهم القرآن.

http://www.fawaed.tv/episode/8616




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل