آية غيرتني - كلمة

آية غيّرتني – (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ إبراهيم)

كلمة

د. رقية العلواني

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الكلمات مجموعة حروف ولكن الكلمة ليس في تلك الحروف فحسب، الكلمة ممكن أن تتحول إلى معركة في ثواني معدودة ويمكن أن تتحول إلى أجمل قصيدة ويمكن أن تتحول إلى ابتسامة يزرعها الإنسان على شفاه الآخرين ويمكن أن تتحول إلى مزرعة خير وشجرة بناء وإعمار، يقول الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٥﴾) المطلوب في كل حياتنا وفي كل المواقف التي نمر بها، نحن نتعامل مع الآخرين، أكثر ما نتعامل بالكلمات، بتلك الحروف، ولكن يا تُرى كم من تلك الكلمات التي نتعامل فيها مع الآخرين نراعي أن ننتقي منها أجمل الكلمات وأحسن التعابير والألفاظ؟ تأملوا في قول الله عز وجل (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴿٥٣﴾ الإسراء) وتأملوا في تلك الوصية الخالدة (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (83) البقرة). أحسن، حسنى، لماذا كل هذا الانتقاء في الكلمات؟ الكلمة تغيّر الكثير من الأشياء، الكلمة التي أصبح البعض منا في حياتنا اليومية لا يأبه لها ربما يلقي بها وهو لا يدري أين ستحل في قلب ذلك الإنسان الذي قد خاطبه بها؟ لا يعرف في بعض الأحيان إن كانت ستنزل عليه كالصاعقة أو تنزل عليه كالغيث. ربما لا ينتبه كثيرون منا في هذا الزمن يتفوهون بكلمات وألفاظ في بعض الأحيان قاسية مؤلمة جارحة ولكنهم لا يهتمون ولا يبالون أين ستقع وكيف ستقع في نفس متلقيها على الإطلاق.

القرآن يعلمني أن أنتبه لتلك الكلمات فالكلمات ما هي إلا نوع من الإيحاء الذاتي يستقر في عقل الإنسان المخاطَب ويترجم فعلًا في سلوكه وعلى هذا الأساس تجد أن التكرار في الكلمات الطيبة في عباداتنا أمر مطلوب، نحن نقول في اليوم والليلة عشرات المرات: الحمد لله رب العاليمن، نحن نذكر الله سبحانه وتعالى ونستغفره ونسبحه في الليل والنهار، ربي عز وجل يمتدج الذاكرين له والذاكرات، والذكر ما هو إلا تكرار لتلك الكلمات الطيبة، فلماذا هذا التركيز على الكلام الطيب في كتاب الله عز وجل؟ الكلمة الطيبة تغرس في وجدان الإنسان أعظم المُثُل، أعظم الأفكار، أعظم القيم التي هي تصنع فيما بعد الإرادة والفعل الحقيقي والعمل الصالح. الكلمة التي يريد القرآن أن نتداولها فيما بيننا، الكلمة التي تدخل السرور على النفوس، الكلمة التي تجمع القلوب، الكلمة التي تؤلف بين القلوب المتباعدة، الكلمة التي تُصلح بين الناس، الكلمة التي تدخل الأثر الطيب في نفوس الآخرين، الكلمة الطيبة صدقة، كيف تكون صدقة؟ تكون صدقة بقدر ما تحمل من المعاني الإيجابية في نفس من قال بها وفي نفس من استقبل تلك الكلمات، الكلمة التي تُثمر العمل الصالح، الكلمة التي تفتح أبواب الخير وتغلق أبواب الشر والفتنة. فالقرآن يهذّب من كلمات الإنسان ويجعل من تلك الكلمة الطيبة جميلة رقيقة لا تؤذي المشاعر ولا تخدش الحياء ولا تؤذي النفوس ولا تُدخل القلق أو الحزن أو الأذى في أذن مستمعيها ولذلك ربي عز وجل يقول (إِلَيْهِيَصْعَدُالْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (10) فاطر) والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" لا بد أن أنتبه إلى الكلمات التي تخرج من لساني فالكلمات واللغة هي التعبير الذي خصّ الله به الإنسان عن سائر المخلوقات، التعبير الذي يعبر ويغرف عما في داخله، عما في قلبه، فالألسنة هي مغاريف القلوب فكيف يكون ذلك القلب الذي يفيض بكلمات طيبة متسامحة تدخل على من يستمع إليها الكلام الطيب الحسن وتثمر العمل الطيب، العمل الراقي تدخل السرور على القلوب، تُخرج البغضاء من النفوس والشحناء، تؤلف بين النفوس المتباعدة. الفرق شاسع بين شخص يقول لأحد الناس كلمة فيتصالح مع غيره وبين آخر يقول كلمة من النميمة ومن المشي بالكلام السيء بين الناس فيوقع البغضاء والشحناء والفرقة فيما بينهم، الفارق كبير! (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (34) فصلت) بادر بالكلمات الطيبة، بادر بالكلمات الحسنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه بها درجات: الكلمة الطيبة. ثم إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، قيل: لمن هي رسول الله؟ لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام. الكلام الطيب الحسن لا يستوي مع الكلام السيء البذيء الفاحش أو الكلام الذي يشي عن سريرة صاحبه وما تحمله من ضغائن وحقد وحسد وشرّ. وتأمل في موقف أصابك خير أمام أحد الناس وإذا بأحد الأشخاص يقول لك: بوركت وبارك الله لك فيما أعطاك وزادك من فضله ونعيمه وخيره وعطائه، كيف يكون استقبالك لتلك الكلمات؟ كيف يكون شعورك الإيجابي وإحساسك وأنت ترى هذا الشخص يشاطرك الفرح يستشعر بما ألمّ بك من خير ومن نعمة ومن عطاء؟ وتأمل في موقف شخص آخر ينظر إلى ما جاءك من النعمة فإذا به يستشعر بمرارة تلك النعمة وكأنها قد أخذت منه فقد يقول لك وقد يتفوه بالكلمة: والله كنت أبحث عن ذلك منذ زمن بعيد، منذ زمن طويل ولكن لم يحالفني الحظ  أنت صاحب حظ وأنا غير محظوظ! كيف يكون وقع تلك الكلمات على نفسك وفي داخلك؟! الكلمة الحسنة الكلمة الطيبة ذات الوقع الحسن هي التي ترمم ما يقع بين القلوب من تفرقة ومن شيء من الأشياء التي يدخلها الشيطان ينزغ بين الناس، الكلمة الطيبة الحسنة هي التي تمسح ذلك، هي التي تمحو آثار البغضاء. تأمل في معظم الخلافات والنزاعات الأسرية أو الزوجية أو في محيط العمل أو الاجتماعية والله الكلمة الطيبة تحدث فيها أثرًا لا يمكن أن يتخيله الإنسان لها مفعول عجيب كل ما نحتاج إليه أن نمتلك حس المبادرة بالكلام الطيب الحسن وأن نلزم أنفسنا بمراقبة ما نتفوه به من كلمات وأن نجعل وصية ربنا عز وجل محورًا لحياتنا (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴿٥٣﴾ الإسراء).  

رابط المشاهدة:

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل