التعاور الترادفي في معانقته للنص القرآني - خاشعة وهامدة

 التعاور الترادفي في معانقته للنص القرآني . 

من مقالة بعنوان:

تعاور المترادفات دلالياً في القرآن الكريم 
دكتور أسامة عبد العزيز جاب الله 
كلية الآداب - جامعة كفر الشيخ


* فمن ذلك قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) (الحج 5 ) .
* قوله تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ.‏ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ( فصلت، 37 - 39) . 
ومناط التحليل هنا هو كلمتا ( هامدة ) في آية سورة الحج ، و ( خاشعة ) في آية سورة فصلت . ويتضح من المعنى تقارب الكلمتين دلالياً وترادفهما ، فما سر هذا التبادل التوظيفي في الآيتين ؟ ولم عبر بهذه في موضعها ولم يعبر بالأخرى في هذا الموضع أو العكس ؟ يلاحظ أولاً أن ( الهمود ) و ( الخشوع ) يتحدان في المعنى العام لهما ، ويستدل بهما في الآيتين على قدرة الخالق -جل وعلا- على البعث والإحياء ، فما بعد هذا السكون والهمود إلا حركة وحياة دالة على طلاقة القدرة ، وعظيم الصنعة . أما من الناحية التأصيلية للفظين فإننا نجد بعض الإيضاحات للفروق بين اللفظين عند الراغب إذ يقول في تفسير لفظ ( الخشوع ) : " الخشوع : الضراعة ، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح . والضراعة أكثر ما يستعمل فيما يوجد في القلب " .
أما لفظة ( هامدة ) فيقول في تفسيرها : " يقال : همَدَت النار طَفَأَت ، ومنه أرض هامدة : لا نبات فيها . ونبات هامد : يابس . قال تعالى : ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً ) . والإهماد الإقامة بالمكان كأنه صار ذا همد . وقيل الإهماد السرعة " .
ويلاحظ أن الجو العام في سياق آية سورة الحج يدور في إطار الحديث عن البعث والإحياء والإخراج ، ومما يتسق مع هذا الجو في ضوء ما قرره الراغب من معان لمادة ( الهمود ) . وتصوير الأرض بالهامدة أي القاحلة التي لا نبات فيها ، هو تصوير متسق مع سياقات البعث في الآية ، لأن الأرض بإنزال المطر تربو وتهتز من بعد موات ، فتعود خضراء رابية كأنما بعثت من بعد موت ، وهي كذلك .
أما السياق في آية سورة فصلت فالحديث الأهم فيه يدور على معنى العبادة واستلزام الخشوع لله سبحانه وتعالى، واستحقاق المولى الكريم للعبادة ، وعدم الاستكبار عنها . ولذا استعير الوصف للأرض هنا بالخشوع ( الذي هو خاص بالجوارح على رأي الراغب ) ، وهذه الاستعارة موظفة بدقة ، لأنه مثلما يكون الخشوع للبشر سبيلاً للمغفرة والارتقاء الروحي ، يكون خشوع الأرض انتظاراً للحظة معانقة المطر كي تحيا وتربو . فاستعير الوصف باللفظ هنا اتساقاً مع السياق التصويري للآية.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل