فروق لغوية - حلف وأقسم

فروق لغوية: حَلِف وقَسَم

تبين الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) في كتابها: (التفسير البياني للقرآن ومسائل نافع بن الأزرق) الفرق بين (حلف وأقسم)، فتقول:

حلف وأقسم: كثيراً ما يفسر أحدهما بالآخر. وقلما تُفرق بينهما المعاجم.

وقد تأتي حلف في شواهدَ من الشعر الجاهلي بمعنى أقسم، في مثل قول النابغة الذبياني: (حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً)، وقول الأعشى: (حلفتُ له بالراقصات إلى منى)، وشاس بن عبدة: (حلفت بما ضم الحجيج إلى منى).

ولكن اللافت من حس العربية النقية، أنها تقول: حِلفة فاجر، وأحلوفةٌ كاذبة، ولم يُسمع بر وأحلوفة صادقة، إلا أن تأتي مجازاً.

وفي العربية: أحلف الغلام، جاوز رهاق الحلم فشُكَّ في بلوغه. وقد قالت العرب: ناقة مُحلفة السنام، للمشكوك في سنها. وقالت: كُمَيت مُحلفة، إذا اشتبه لونها بين الأحوى والأحمِّ، فإذا كانت صافية الكُمتة، قالوا: كميت غير مُحلفة. وقالوا: حضارِ والوزن مُحلفان، وهما كوكبان يطلعان قبل سهيل، فيُظَن بكل واحد منهما أنه سهيل.

فهل يكون ما في الشعر من حلف في غير موضع الشك والريبة، من الضرورات الشعرية؟

نحتكم إلى البيان الأعلى، في النص المحكم الموثق، فيشهد الاستقراء الكامل بمنع ترادفهما:

جاءت مادة (ح ل ف) في ثلاثة عشر موضعا، كلها بغير استثناء، في الحنث باليمين.

والغالب أن يأتي الفعل مسندا إلى المنافقين، كآيات التوبة التي فضحت زيف نفاقهم: (وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون)[التوبة:42]، (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم) [التوبة: 56]، (يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين) [التوبة: 62]، (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)[التوبة: 74]، (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس...) [التوبة: 95]، (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين)[التوبة: 96]، (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون)[التوبة: 107]، ومعها في المناقفين... كذلك، آيات، وفي سورة النساء: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) [61-63]، وفي المجادلة: (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) [14]، وفيها أيضاً:(يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون) [18]، وآية القلم: (ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم) [10 – 12].

وجاء الفعل مرة واحدة مسنداً إلى ضمير الذين آمنوا، فوجبت عليهم كفارة الحلف: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم)[المائدة: 89].

وأما القسم، فيأتي في الإيمان الصادقة: وجاء موصوفا بالعظمة في آية الواقعة:(وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)[76]، وسؤالاً من الله تعالى، على وجه الاعتبار، لكل ذي حجر، في سورة الفجر:(هل في ذلك قسم لذي حجر)؟ [5]، واختص القسم بحرمة الشهادة على الوصية، حيث لا يحل الحنث باليمين، في سورة المائدة: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لانشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين [106، 107].

وكان أصحاب الجنة، في سورة القلم، صادقين:(إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون) [17-18]، وليس المجرمون بكاذبين إذ يقسمون يوم تقوم الساعة (ما لبثوا غير ساعة) [الروم:55].وكذلك يسند القسم في القرآن إلى الضالين، عن وهمٍ منهم أو إيهام بالصدق، قبل أن ينكشف أنهم كانوا على ضلال، كما في الأنعام: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) [109]، وفاطر: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا) [42]، والأعراف: (ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) ؟ [48، 49]، وإبراهيم: (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال) [44]، والنحل: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [38]، وفي المائدة: (ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) [53] يحتمل سياقها أن يكون هذا القسم قبل أن يبتلى المنافقون بالتجربة الكاشفة عن كذبهم والله أعلم.

وأمام هذا البيان القرآني، لا يهون أبدا أن نفسر القسم بالحلف، وصنيع القرآن يلفت إلى فرق دقيق بينهما. فإن لم نقل إن القسم لليمين الصادقة - حقيقة أو وهما - والحلف لليمين الكاذبة على إطلاقها، فلا أقل من أن يكون بين دلالتهما الفرق بين العام والخاص: فيكون القسم لمطلق اليمين بعامة، ويختص الحلف بالحنث في اليمين، على ما اطرد استعماله في البيان القرآني.

والخلاصة أن هناك فرقاً دقيقاً بين حلف وأقسم، فـ(حلف) لا تستخدم في القرآن إلا للدلالة على اليمين الكاذبة، أو اليمين التي يحنث بها صاحبها، أما القسم فيستخدم للدلالة على اليمين بشكل عام، أو على اليمين الصادقة. والله أعلم.


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل